نحو إصلاحات جوهرية لمنظومتنا التربوية / ا.د شامخ امبارك

2019-03-10 الساعة 22:25



كثر الحديث في الآونة الأخيرة عن المدرسة الجمهورية و واقع التربية فى بلادنا و المخاطر التى أصبحت هاجس كل الغيورين على لحمة هذا الشعب المسلم و المسالم. تعددت الآراء و كثرت المقاربات و المقترحات حول انجع السبل للخروج من الوضعية الحالية نحو مدرسة جمهورية تلبي الحاجيات الأساسية لبناء مجتمع متآخ فيما بينه و قادر على أن يحدد مستقبله.

و تأصيلا لهذا الموضوع تجدر الإشارة إلى أن المدرسة هي البنية الأساسية لأي منظومة تربوية، فهي الفضاء التربوي الذي يتلقى فيه الفرد العلوم و المهارات و القيم و الأخلاق الضرورية لتكوينه و لصقل مواهبه و تهيئته للمساهمة بكل فاعلية في بناء مستقبله و مستقبل مجتمعه. و لقد أقترن وجود هذا الصرح المعرفي بوجود المدينة و لذلك فإن من الأهداف المحورية لهذه المؤسسة تكوين أبناء المجتمع على قيم التعايش المشترك.

و رغم الجهود المتواصلة للحكومات المتعاقبة للنهوض بهذا القطاع إلا أن المؤسسات التربوية فى بلادنا لا زالت تواجه صعوبات عديدة تعيقها من تحقيق بعض من أهدافها السامية كتوفير التكوين المتميز لغالبية ابناء الشعب و توحيدهم و تقوية تماسكهم الفكري و الاجتماعي بعيدا عن النزعات المبنية على اللون أو اللغة أو الفئة أو الجهة أو القبيلة. و يعتبر تعهد السلطات العليا لهذا البلد باستخدام كل الوسائل المتاحة لكي تستعيد هذه المؤسسة دورها قرارا مهما إذا ما وجد البيئة الصحيحة و الملائمة لتجسيده على أرض الواقع. فالإرادة سياسية لا تكفى وحدها لتغيير مصير شعب إذا لم يساهم الشعب نفسه فى تجسيد هذه الإرادة و احتضانها. و لعل من أهم التحديات التى تواجه المؤسسات التربوية:

العولمة الجارفة بما تحمل من تأثيرات سلبية أو إيجابية على قيم و ثواب المجتمع،

التزايد المستمر لعدد السكان و ما نتج عن ذلك من ضغط بشري على هذه المؤسسة و على توزيع الموارد المالية للدولة. فلم يعد قطاع التعليم منفردا بالأولوية أمام الأمن و الصحة و البنى التحتية و هو ما ساهم فى تقليص الموارد المالية المخصصة للمؤسسات التربوية و للعاملين بها.

سيطرة النزعة السياسية في اختيار المشرفين التربويين و الإداريين و حتى المربين أنفسهم.

الفوضوية في توزيع الموارد البشرية و غياب سياسة تحسين الخبرات.

الفوضوية في المقررات و المناهج التعليمية و التي يفتقد بعضها للحد الأدنى من ثقافة المواطنة و احترام القيم و الأخلاق السائدة في المجتمع.

ارتفاع نسبة البطالة بين الطبقات المتعلمة مما ساهم فى تراجع مكانة العلم و المتعلمين فى مخيلة المجتمع.

و لا شك أن المسؤولية المحورية في التنظيم و المراقبة و توفير الموارد الضرورية لهذه المؤسسات تعود إلى السلطات إلا أن استعادتها لدورها الريادي لن يتحقق دون مساهمة كل القوى الفاعلة في ميدان التربية. فلقد أصبح جليا لدي غالبية المجتمعات المتقدمة أن القطاع العام ليس بمقدوره منفردا تحمل أعباء التربية و توفير الجودة دون مشاركة القطاع الخاص الذي أثبت قدرته على رفع التحدي و المساهمة بجدارة في تكوين الفرد. هذا بالإضافة إلى ما يوفره هذا القطاع من فرص عمل و حرية اختيار. فالمدرسة الجمهورية هي علوم و مهارات و قيم و أخلاق لا تنحصر في قطاع دون آخر و لا فى مكان دون آخر. و الهدف المنشود من أي منظومة تربوية ليس المدرسة ذاتها بل التلميذ أو الطالب الذي يجب أن يجد في المدرسة، عمومية كانت أو خصوصية، الظروف الملائمة لتكوينه علميا و فكريا و أخلاقيا ليكون فردا متصالحا مع ذاته و مع قيم مجتمعه و قادرا على رفع التحدي لبناء وطنه.

و في نظري يقتضي إصلاح المنظومة التربوية فى بلادنا فرض مجموعة من الثوابت للتحكم في المنظومة نفسها و القيام بإجراءات مساعدة لخلق البيئة المناسبة للوصول إلى الإصلاحات الجوهرية التي تلبي الحد الكاف من جودة تكوين الفرد الموريتاني. و تتمثل الثوابت الضرورية للتحكم فى المنظومة التربوية في:

ألا يُزاول مهمة التدريس إلا من يمتلك الكفاءة والخبرة وحاصل على ترخيص من الوزارة المعنية بمهمته.

ألا يُسمح لأي مؤسسة عمومية أو خصوصية بمزاولة مهمة التدريس قبل توفرها على الظروف التربوية الملائمة.

ألا يُدَرَس على أرض الوطن إلا المقررات و المناهج المرخص لها من الوزارة المعنية.

و فيما يخص الإجراءات المساعدة على توفير المحيط الملائم لنجاح الإصلاحات المستهدفة يتعين انجاز الأمور الآتية:

المشاركة الفعلية لآباء التلاميذ و الطلاب في تسيير الشأن العام للمؤسسات التربوية و تحمل جزء من أعبائها المالية.

التوجيه المحكم لوسائل الإعلام التقليدية و الحد من التأثير السلبي لوسائل التواصل الاجتماعي حتى تلعب هذه الوسائل الدور المكمل للمؤسسات التربوية.

دمج التعليم المحظري في المنظومة التربوية و خاصة في المراحل التمهيدية حتى نضمن غرس قيم السماحة و التكافل و الأخوة بين افراد الشعب.

تشجيع سياسة التجميع السكاني و التعايش الاجتماعي بين مختلف مكونات الشعب الموريتاني حتى تكون المؤسسات التربوية فضاء للتلاقي و تربية الشخص الموريتاني على قيم التعايش السلمي.

انتهاج سياسة أكثر فاعلية في تشغيل المتعلمين حتى يكون الشخص المتعلم نموذج لغيرهم.

و أخيرا أعتقد أن استعادة المدرسة لمكانتها المحورية يتطلب القيام بالإصلاحات الآتية:

* إصلاحات تتعلق بالحكامة أو القيادة : يتعين في هذا الصدد:

تكليف المشرفين التربويين و الإداريين حسب الكفاءة والخبرة.

مراقبة الدولة لتسيير المؤسسات التربوية العمومية و الخصوصية وفق ضوابط تضمن الجودة و الاستمرارية.

خلق إطار قانوني لتسيير المؤسسات التربوية بصيغة تضمن مشاركة المربين و السلطات المحلية و الآباء و القوى الفاعلة في اتخاذ القرارات المصيرية.

* إصلاحات تتعلق بالموارد البشرية: تلعب الموارد البشرية دورا هاما في نجاح المؤسسات التربوية أو فشلها. و لذلك يتعين :

تحديد كفاءة الموارد البشرية على مستوى المؤسسات التربوية العمومية و الخصوصية قصد تكليف أصحاب الكفاءة بمهمة التدريس و إحالة غيرهم إلى مهام داعمة للعملية التربوية كالمراقبة و المتابعة و الأمن و التواصل ما بين المؤسسة و محيطها الجغرافي.

رسم سياسة واضحة لتحسين الخبرة تضمن التأهيل المستمر للمربين و الإداريين على مستوى المؤسسات التربوية العمومية أو الخصوصية.

تمكين المعلم و المدرس من الحصول على راتب محترم يضمن له العيش الكريم و لو تطلب الأمر مساهمة الآباء في تحقيق هذا الهدف المفصلي في نجاح المدرسة الجمهورية.

تحمل الدولة لنسبة 10 إلى 15% من رواتب المعلمين و المدرسين فى المؤسسات الخصوصية.

إنشاء لجان محلية على مستوى كل مؤسسة و كل مقاطعة تضم ممثلين عن إدارة المؤسسة و المدرسين و الأهالي و السلطات المحلية و ذلك للمتابعة جودة عمل مختلف المؤسسات و تحديد المشاكل المطروحة و سبل التغلب عليها.

* إصلاحات تتعلق بالمرافق التربوية: تلعب المرافق التربوية دورا هاما في غرس قيم الاعتزاز و التضحية لدى الطفل أو الشاب و لذلك:

- ينبغي أن تكون المرافق التعليمية وسطا رحبا لاحتضان المستهدفين بتوفرها على اللوازم الضرورية للتحصيل العلمي في بيئة سليمة. و لهذا القرض يساهم الأهالي في تأهيل المرفق و صيانتها حسب إمكانياتهم المادية.

يقتصر تسجيل المواطن الموريتاني على المؤسسات التربوية العمومية أو الخصوصية المرخص لها.

تربط المؤسسة العمومية بحيزها الجغرافي المباشر و إعادة توزيع المؤسسات الخصوصية حسب حاجيات مختلف المناطق الجغرافية.

تسجيل المؤسسات الخصوصية لنسبة 10 إلى 15% من أبناء الأسر الضعيفة في الحيز الجغرافي المجاور ضمانا للتعايش و التآزر ما بين مختلف الطبقات الاجتماعية.

* إصلاحات تتعلق بجودة المحتوى التربوي: يجب أن يكون المحتوى العلمي محل تدقيق و دراسة عميقة تلبي الأهداف السامية للرقي الاقتصادى و الاجتماعي و الثقافي للأمة. و عليه يتعين تحقق الامور الآتية:

أن يكون المحتوى أداة لصقل مواهب المتلقي و تكوينه علميا و فكريا و وسيلة لبناء الأمة و توحيد أبنائها و تآلفهم و انصهار أفكارهم و تجفيفا للخلافات و النعرات الضيقة.

توحيد المقررات التعليمية و تنقيح محتواها لضمان الجودة و نشر قيم التعايش السلمي.

فتح أقطاب معرفية وظيفية موجهة في المراحل النهائية وفق الإمكانيات الاقتصادية لكل ولاية.

و عموما، لكي تستعيد المدرسة الجمهورية دورها التاريخي في تكوين الأجيال الصاعدة لا بد من انتهاج مقاربة جديدة تأخذ بعين الاعتبار التحديات المعيشة و تقدم حلولا غير تقليدية للتغلب على هذه التحديات. ورغم المسؤولية المحورية للسلطات في التنظيم و المراقبة و توفير الموارد الضرورية لهذه المؤسسة إلا أن مساهمة كل القوى الفاعلة في ميدان التربية أمر ضروري لا غني عنه. و تبقي مراجعة المحتوي العلمي و كفاءة المكونين و الظروف التربوية المباشرة و غير المباشرة و ربط المدرسة بوسطها المباشر و تشجيع سياسة التشجيع السكاني و التعايش الاجتماعي و مساهمة الآباء في التكاليف المادية أمور تستحق الدراسة و التمحيص لتشييد مدرسة جمهورية ناجحة قادرة على المساهمة في النمو الاقتصادي و الاجتماعي لبلادنا.

ا.د. شامخ امبارك

استاذ جامعات، كلية العلوم و التقنيات بجامعة نواكشوط