قراءة في تكتيكات ورهانات المهرجان الترشحي لولد الغزواني / د. أحمدو لكبيد

2019-03-3 الساعة 16:47



يعلمنا تاريخ القادة الكبار أن ممارساتهم السياسية يتم توجيهها وقولبتها وفق مزاج هؤلاء القادة والثوابت المشكلة لشخصيتهم القاعدية بأبعادها الاجتماعية والدينية، ومن ما يمكن تسميته بالفلسفة الشخصية التي يؤسسها الفرد عبر تجربته مع الحياة، ولا مناص لحاشيتهم وأعوانهم من اكتشاف تلك السمات والتكيف معها، وترجع مظاهر التقريب والإقصاء إلى مدى الاستجابة لإكراهات التعامل مع تلك السمات الفردية.
كما يستخلص من ثالوث فرويد في تحليله لمكونات الشخصية الأساسية (الهو، الأنا، الأنا الأعلى) أن مستودع الشخصية الحقيقي هو الأنا، فهو مركز الذكاء والدهاء والانتهازية والتنسيق مع العالم الخارجي، والذي لا ينفك يتأرجح بين الخفاء والتجلي حسب ميزان القوة بينه وبين العالم الخارجي، وحسب نوع العلاقة السائدة بينه وبين أناه الأعلى.
وقد حاول مكيافيلي في كتابه "الأمير" أن يساعد الحاكم لكي يكون أكثر عملية ودهاء وقسوة.
ربما تصلح هذه المنطلقات العامة مدخلا لفهم مظاهر الاختلاف بين هؤلاء الحكام سلوكا ومصيرا، فبعضهم يطغى عليه الأنا بنرجسيته وتسلطه ومزاجيته فيختزل الوجود والحق والصواب في وجوده ونظرته الشخصية للأمور، ويصاب بعمى الألوان، وتخاف حاشيته من نصحه وتصويبه، فينتهي به الأمر إلى تدمير نفسه والآخرين، والبعض الآخر يعاني من ضعف الأنا، وكراهية مواجهة الواقع، والتردد في اتخاذ القرار المناسب، فيخرج الأمر من يده، وتطوح به أعاصير السياسة بعيدا عن كرسي الحكم.
وعودة إلى الموضوع، فقد شاع الحديث عن كراهية ولد الغزواني للظهور والتعرض لأضواء الإعلام وزخرفة محسناته، وعن ميله إلى العفوية والبساطة في السلوك، والتربي في حاضنة اجتماعية محافظة شديدة الاهتمام بالقيم السلوكية، وهذا ما جعله أكثر انحيازا إلى الفعل، وإلى الحد من الكلام ومن الأبهة في التظاهرات العامة التي يترأسها.
وهذا كان واضحا في ملامح مهرجانه الترشحي، فقد اختار لموسيقى الاحتفال أن تتغنى بكلمات الشاعر الراحل فاضل أمين في تمجيد الأرض والوطن، ولم يفسح المجال أمام شعراء المناسبات لإفراغ قصائد مدحهم المعلبة، ولم يتح الفرصة لحناجر التملق والمزايدات السياسية لصعود المنبر والتنافس في الفن الذي تمرنوا عليه كثيرا.
إجراءات تكتيكية:
لقد تعمد ولد الغزواني إلى حد ما في تقليل الاعتماد على منظومة أحزاب الأكثرية في إخراج سناريوهات المهرجان، فهو يعرف أنها تعاني من الانقسام والصراعات الداخلية، والأفخاخ المنصوبة لتكبيله وتقييده بالتزامات مبكرة، ويحتاج تحريك هذه الكتل السياسية إلى الاتصال بها في كل أنحاء البلاد وتفويجها نحو مكان المهرجان، وهذا له تكاليفه ويأخذ زمنا طويلا.
كما حد من حشد الآلة الإعلامية التي تعاني هي الأخرى من الصراع والتنافس، وتعدد وسائطها المسموعة والمرئية والالكترونية، ولا يمكن تشغيل كاميراتها مجانا.
اتخذ في خطابه لهجة تجميعية rassembleur محايدة، فاعترف للرؤساء موريتانيا السابقين بأن لهم حسناتهم التي لا تخلو من أخطاء، وهذا يمثل قطيعة درج عليها القادة العرب في نقد اللاحق لمن سبقه واتهامه بالتقصير والفشل، وابتعد عن توجيه النقد للمعارضة، ولم ينس أن يثنى على الرئيس محمد بن عبد العزيز الذي لا يزال شريكا له في القيادة والعمل.
ويبدو أن ولد الغزواني كان واعيا بوجود قوى سياسية قد فرضت نفسها في الساحة الوطنية من خلال قضايا محورية لا مناص لكل سياسي من أن يحدد موقفه منها، في مجال محاربة الرق، وتهميش بعض الفئات الاجتماعية، يضاف إلى ذلك عنصر الشباب الذي يشكل نسبة كبيرة من تعداد السكان، فخصص لهذه الفئات مكانا في خطابه، دون تحديد مكون معين ليبقى الكل داخلا في مشمولات هذا التعهد دون الالتزام لطرف محدد.
كما أنه شدد على التشبث بثوابت البلاد الأصيلة والدينية دون أن يقرن ذلك بالانفتاح على مستجدات العصر والحداثة، ولا تخفى مغازلة ولد الغزواني في هذا المنحى للعاطفة الدينية لدى الموريتانيين.
ومن كل ما تقدم، تتضح ماهية تكتيكات ولد الغزواني في حملته الانتخابية، القائمة على تبني خطاب مهادن، والتظاهر بالحياد، وأخذ مسافة إزاء مراكز القوى السياسية المهيمنة، ومخاطبة كل مكونات الطيف الوطني.
المشكلات المنظورة:
يحلم كل سياسي مترشح للمناصب العليا أن يصل إلى هدفه بحرية أكبر والتزامات أقل، لكن للسياسة قواعدها الخاصة التي تؤكد حتمية تكبيل السياسيين الأكثر شعبية بالتزامات لا تترك لهم إلا هامشا محدودا من الحرية والمرونة، كما تؤكد أنهم مضطرون إلى عقد صفقات سياسية مكلفة للوصول إلى أهدافهم.
وولد الغزواني قد لا يشذ عن هذه القاعدة، خصوصا أنه يتعامل مع ساحة سياسية هي أقرب ما يكون إلى عالم "الكزرات"، فكل شبر منها تابع لجهة متنفذة من "چبچابة الساسة"، حيث لكل شيء ثمن مدفوع مسبقا.
وأول مشكلة ستجابهه في هذا المجال هي كيفية التعامل مع الحزب الذي يمثل آلة انتخابية عملاقة ومعقدة بأقطابها الجهوية، ونوابها ومنتخبيها الجهويين والبلديين، ومنظماتها، ونظام المحاصصة الضمني المعمول به داخلها، والمصالح المكتسبة. وأهم ما في الأمر أن بنية هذه المنظومة تم تصميمها من طرف غيره، وسترافقه في معظم مأموريته على مستوى بعض مكوناتها الأساسية، صحيح أنه بعد تعليق تجديد هياكل الحزب إلى ما بعد انتخابه، قد ترك له مجال ليضع بصماته على تشكيلته الجديدة.
قد يكون بإمكان الرئيس الجديد التغيير في المناصب الإدارية المدنية والعسكرية والحزبية، لكن ما لا يستطيع الرئيس تغييره المناصب الانتخابية (نواب، وجهويون، وعمد)، وهنا تكمن العقدة.
وهناك مسألة نوع العلاقة التي ستقوم بينه وبين الرئيس محمد ولد عبد العزيز، والتي ستظل حساسة ومحل متابعة شديدة من طرف المعارضة والإعلام، خصوصا لوجود نقاط تشابه ملفتة بين ولد الغزواني وبين الرئيس السابق سيدي ولد الشيخ عبد الله، فكل منهما منحدر من مشيخة صوفية، وكل منهما عرف بعزوفه عن الظهور والأضواء، وكل منهما وجد أمامه برلمانا جاهزا من تدبير غيره، وكل منهما اعتمد على محمد ولد عبد العزيز في ترشحه، فهل سيختلف الأمر هذه المرة؟
وفي المجال الاقتصادي سيستلم ولد الغزواني – إن فاز - قيادة بلاد وصلت فيها المديونية الخارجية إلى ذروة ارتفاعها، فلا يمكن انتظار مساعدة خارجية لإحداث فارق تنموي سريع، واتفاقيات الصيد واستغلال المناجم والرخص المعدنية لا يمكن الاعتماد عليها في المدى القريب، يضاف إلى ذلك قصر رئاسي يعج بعدد هائل من المستشارين، وجيش من المتقاعدين الذين تم تدويرهم عبر رئاسة المجالس الإدارية أو عضويتها، ورواتب مرتفعة لا تعكس القوة الاقتصادية للبلاد، مما جعلها تدفع بالضرائب وبالأسعار إلى حالة غير مسبوقة، ولا يمكن التطلع إلى مدد من الغاز الجديد، فهذا المرفق لن يكون له تأثير ملموس إلا مع نهاية مأموريته.
ومهما يكن، فقد أحدث خطاب ولد الغزواني المعتدل مسارا سياسيا جديدا، سعى فيه إلى نزع فتيل التوتر والعدول عن أسلوب التجريح للخصم وتخوينه. وقد يمكن القول إنه جرد المعارضة من شعاراتها التعبوية والنقدية التي كانت تواجه به الرئيس محمد ولد عبد العزيز، وهذا ما أشره سريعا جميل منصور في تغريدته التي دعا فيها إلى انتهاج المعارضة لمنطق الاعتدال في خطابها.
ويمكن القول في الختام إن رهانات ترشح ولد الغزواني تكمن في سعيه إلى امتلاك القوة ولاعتماد على الذات وهو لا يزال في طور الولادة، وفي تهربه من ضريبة الإكراهات السياسية، وهو في النهاية سيعتمد على آلة حزبية (حاكمة وأغلبية) تأسست بلعبة المصالح، وفي بحثه عن التميز
والفرادة وهو امتداد لقوة، هي من اختارته مترشحا بمواصفاتها.
د. أحمدو لكبيد