الحركات الشعبوية أو ثورة المهمشين والمحرومين / أحمدو لكبيد

2019-01-9 الساعة 11:15



تكشف ظاهرة السترات الصفراء في فرنسا والتحرك الجماهيري العفوي في السودان وفي غيرها من بلدان العالم عن ولادة نموذج سياسي جديد، هو الحركة السياسية الشعبوية، المتشكلة من المهمشين والمستضعفين والنخبة المثقفة النظيفة التي أصابها الإحباط والقرف من زيف الشعارات التي يرفعها قادة الحكومات القائمة ومن فسادهم ونهبهم لثروات الشعوب تحت ذرائع ومبررات في غاية الخسة والوضاعة.

لقد حرك ماكرون الجماهير الشعبية التي نفد صبرها وسحب بهم البساط من تحت أقدام القوى السياسية التقليدية اليمينية واليسارية، لكنه ارتكب خطأ فاحشا حين اعتقد أنه قادر على ممارسة الحكم بنفس الأساليب التقليدية، حيث يتم تطبيق نفس البرامج السياسية القديمة مع بعض الرتوش الشكلية، فبدا له ما لا لم يحتسب، وانقلب السحر على الساحر!

ولعل ما لم يدركه حكام العالم المتقدم والعالم الثالث أنه إذا كان العالم بات قرية الكترونية واحدة بفضل شبكات الاتصال فإن ذلك ينطبق بقوة على سكان البلد الواحد، فلم يدركوا أن الوعي انتشر في كل فئات المجتمع، وبات كل واحد منهم واعيا تماما بحقيقة اللعبة السياسية القذرة التي يمارسها هؤلاء الحكام بحقه، فوسائل الاتصال جعلت كل مواطن على دراية تامة بكل ما يجري داخل بلاده، ولا تخفى عليه خافية من أمرها، ولكن الكارثة العظمى أن هذه الكتل المهمشة تجد نفسها اليوم تتفرج – وهي مغلوبة على أمرها تحت قوة القمع وضجيج المتملقين والمنافقين – على هؤلاء الحكام يستمتعون بثرواتهم ويتحكمون بأجهزة دولهم، وأبواقهم لا تفتأ ليل نهار تصدح بشعاراتهم الجوفاء التافهة، يوزعون على حاشيتهم وأتباعهم - حسب مزاجهم وحسب الأقرب إليهم - الوظائف والنياشين والعطايا السخية من أموال هؤلاء المحرومين.

لقد أدت وسائل الاتصال إلى جعل ملايين العيون من الجياع والمحرومين تحدق إلى هؤلاء الحكام وهم يزدردون بغير حق ما في قصعة الدولة من الخيرات!

فكم صعد على ظهور هذه الكتل الشعبية المحرومة من الحكام إلى كرسي الرئاسة، حتى إذا استتب لأحدهم الأمر ، ضرب بعرض الحائط شعاراته ووعوده، وجعلها دولة بين زمرته وفصيلته ورجال أعماله! وتتكرر نفس المهزلة مع زعيم جديد، مع نفس الوعود ونفس الشعارات! إنها دوامة تاريخية مأساوية مستمرة، تجعل المبادئ والشعارات التي كانت مقدسة وتهتف لها ملايين الحناجر مبتذلة ومثيرة للسخرية.

ومن المفارقات العجيبة المؤلمة أن دخل الدولة يتم تقسيمه حسب ألقاب وظيفية مثل الرئيس والوزير والجنرال والدكتور والبروفسور، ورؤساء هيئات حكومية شكلية، وكلما نزلنا مع السلم الوظيفي قل الراتب وازداد العمل وتضاعفت الأعباء، أما الآخرون فليس لهم إلا الصبر والانتظار والوعود!

فأي منطق معوج وقسمة ضيزي تؤدي إلى وجود مواطن يكدس الأموال الطائلة من دخل الدولة ويكتنزها، في سياق يتميز بالفقر المدقع والبطالة الواسعة وضعف القوة الشرائية، ومواطن آخر لا يتقاضى من دولته قرشا واحدا!

والأسوأ من ذلك أن هؤلاء الحكام لا يتورعون من رفع الضرائب والأسعار والمكوس وتكاليف الخدمات، ليزيدوا هذه الكتل المحرومة فقرا على فقر وحرمانا وغيظا ونقمة وثورة تنمو في الداخل كالبركان المحتقن.

ولعله من الأفضل لحكام العالم الثالث وقد أفلست كل مشاريعهم وبان عجزهم المتكرر عن إخراج شعوبهم من حفرة التخلف أن يعملوا على تحقيق هدف واحد قد يعم بالفائدة على الجميع، وهو العمل على خفض الأسعار وتثبيتها، بإنشاء مؤسسات تتكفل بشراء وتسويق ودعم المواد الأساسية، وبخفض الرواتب وتقليص الوزارات والإدارات والمصالح التي هي أقرب أحيانا كثيرة إلى الزائدة الدودية، وبتوحيد التعليم، ومجانية الخدمات الطبية وتخفيض أسعار الكهرباء في بلاد تشتهر بطقسها الحار، والاستثمار في قطاع الزراعة والصيد، ومساعدة الكفاءات الوطنية العلمية على خلق صناعية محلية مع توفير سياسة حمائية لهم، فهذا من شأنه أن يؤدي إلى الاستقرار الاجتماعي وتقوية علاقة المواطن بدولته، ويوفر السعادة والاطمئنان للممرضين الذين تتقرر على أيديهم حياة الناس، وللمدرسين العاملون على صناعة الأجيال الصاعدة، وللجنود المرابطين على ثغورهم، ولرجال الأمن الساهرون على الأمن العام، ولآباء الأسر الذين يكدحون يوميا لتوفير القوت والحياة الكريمة لعائلاتهم ولمئات الألوف من العاطلين عن العمل، بعد أن خذلتهم الدولة وعجزت عن استيعابهم.

إن غلاء المعيشة بسبب ارتفاع الأسعار والتدهور المستمر للعملة والبطالة، ومظاهر الثراء السريع غير المبرر، والفساد والمحاباة، وعدم إتاحة الفرص المتكافئة أمام المواطنين في مجال الاكتتاب والمسابقات والترقية تعتبر كلها عوامل كافية في زعزعة الاستقرار والتذمر والتمرد وانعدام الثقة في حكوماتهم وبغض حكامهم.
أحمد لكبيد