المكانة الدستورية للمواثيق الدولية / د. يعقوب آلويمين

2018-08-17 الساعة 17:27



يدور هذه الأيام نقاش هام على بعض مجموعات الواتساب حول إشكاليات قانونية بالغة التعقيد والحساسية، يتعلق محورها بإقرار الدستور الموريتاني في ديباجته بمواثيق حقوق الانسان، خاصة الإعلان العالمي والاعلان الافريقي، وما يترتب عن هذه الدسترة من آثار تطال في نظر البعض "العقيدة الدستورية" إن جاز التعبيز. ومن الإشكاليات المتفرعة عن هذا النقاس هو مدى إلزامية مضمون تلك المواثيق
بعد دسترتها في ديباجة دستور 1991 النافذ حاليا مع تعديلاته في 2006 و2012 و2017؛ وستحاول هذه الورقة استعراض بعض القواعد المطبقة في القانون الدستوري والقانون الدولي في مثل هذه الحالات للخرو ج باستاناجات حول الموضوع والنقاط المتصلة به.
1. طبيعة الإعلان العالمي لحقول الانسان، هل هو اتفاقية دولية ملزمة أم إعلان مبادئ استرشاية ؟
لكي تكون النصوص الدولية ملزمة للدولة، يجب أن تمر بسلسلة إجراءات تشارك فيها السلطتان التنفيذية والتشريعية، حيث تقوم الاولى بالتوقيع على الاتفاقية الدولية أو الانضمام إليها، ثم يأتي دور ااثانية التي تتولى المصادقة عليها، وبذلك يتم إقرار الاتفاقية كنص قانوني ملزم للدولة بعد استكمال عملية الاصدار والنشر؛ ويثور حول موضوع النشر إشكال فرعي بشأن النص الذي يجب نشره لتصبح الاتفاقية الدولية ملزمة للدولة وذات مكانة ضمن المنظومة التشريعية للبلد، أهو نص الاتفاقية أو القانون المتضمن المصادقة عليها. وقد رفض القضاء الفرنسي تطبيق نصوص بعض الاتفاقيات بحجة عدم نشر نصوصها وفقا لاجراءات النشر الرسمية.
وبالنسبة للاعلان العالمي لحقوق الانسان - واستتباعا الاعلان الافريقي - فهناك اتجاهان حول قيمته القانونية ومدى إلزاميته، يرى الأول أن الاعلان مجرد مبادئ استرشادية وتوصيات غير ملزمة، حيث لم يخضع لمسلسل التوقيع والمصادقة والاصدار والنشر المتبعة بالنسبة للاتفاقيات الدولية، في حين يرى أنصار اتجاه آخر يحاول الرفع من شأن القيمة القانونية للإعلان أن هذا الأخير يتمتع بقوة إلزامية أخلاقية نظرا للاعتراف الدولي به ووصفه بالعاليمة، ولكن هذه القوة الالزامية لا ترقى إلى مستوى قوة الاتفاقية الدولية النافذة. ولعل هذه المكانة القانونية المحدودة للإعلان العالمي لحقوق الانسان هي التي أدت بالامم المتحدة إلى اعتماد عدد كبير من الاتفاقيات الدولية لحقوق الانسان، التي تتتناول أحيانا مجال حقوق الانسان المدنية السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثافية بشكل عام وأحيانا أخرى تنصب على مجالات محددة كحقوق المرأة والطفل والمهاجرين والأقليات ... وغير ذلك.
وقد ﺍﻧﻀﻤﺖ ﻣﻮﺭﻳﺘﺎﻧﻴﺎ ﺇﻟﻰ الاﺗﻔﺎﻗﻴﺎﺕ الرئيسية السبع في مجال ﺤﻘﻮﻕ ﺍﻹﻧﺴﺎﻥ، ﻭﻫﻲ: العهدان الدوليان الخاصان بالحقوق المدنية والسياسية، والحقوق والثقافية والاجتماعية، واتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز العنصري، واتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة، واتفاقية مناهضة التعذيب وغيره من ضروب العاملة القاسية واللاإنشانية أو المعينة، واتفاقية حقوق الطفل وبروتوكولها الاختياري، واتفاقية حماية جميع ﺍﻟﻌﻤﺎﻝ ﺍﻟﻤﻬﺎﺟﺮﻳﻦ ﻭﺃﻓﺮﺍﺩ ﺃﺳﺮﻫﻢ. كما انضمت إلى اتفاقيات منظمة العمل الدولية الثماني ذات الصلة بحقوق الانسان.
وإذا كانت دساتير دول عدة، منها موريتانيا، قد نصت في ديباجاتها على التمسك بالاعلان العالمي لحقوق الانسان، فإن الدستور الموريتاني قد تنفرد بأن حدد بوضوح ما يتمسك به من هذا الاعلان، إذ يتعلق الامر بمبادئ الديمقراطية فقط، حيث تنص الفقرة الثانية من ديباجة الدستور على ما يلي : "كما يعلن تمسكه .... بالدين الاسلامي الحنيف وبمبادئ الديمقراطية الواردة في الاعلان العالمي لحقوق الانسان ..." واضح إذا طابع الشمولية بالنسبة للتمسك بالدين الاسلامي، كما هو واضح أيضا طابع الجزئية حين يتعلق الأمر بالإعلان العالمي: فقط ما يتعلق منه بمبادئ اليممقراطية.
2. كيف تصبح المواثيق الدولية جزء من المنظومة التشريعية الوطنية الواجبة الاحترام والتطبيق ؟
على عكس الإعلان العالمي الذي لا يملك القوة إلإزامية التي تتمتع بها الاتفاقيات الدولية النافذة، فإن هذه الأخيرة تصبح جزء من المنظومة الوطنية الواجب احترامها وتطبيقها وفقا لأحد نظامين تختلف الدول في تكريسهما؛ وهما:
- النظام الأحادي الذي يقوم على أن تصبح المعاهدة، جزء من القانون الداخلي، بمجرد دخولها حيز النفاذ للدولة، وذلك دون حاجة إلأى القيام بعملية تشريعية داخلية. ومن تطبيقات هذا النظام اعتبار العرف الدولي ضمن القانون الأعلى للولايات المتحدة الأمريكية واعتبار القانون الدولي جزء من قانون البلاد في انجليترا، وذلك بشروط منها عدم إنشاءالاتفاقيات الدولية التزامات مالية وعدم تعلقها بحقوق الافراد أو ضرورة تعديل القانون الإنجليزي.
- النظام الثنائي القائم على أنه لا يمكن أن تصبح الاتفاقية الدولية جزء من المنظومة التشريعية الوطنية إلا بعد تكريسها من خلال قانون وطني يتم سنه وفقا للطرق الدستورية الوطنية. ولعل هذا النظام هو الأقرب إلى المنهج المتبع في موريتانيا رغم أن الدستور ينص في مادته 80 على أن الاتفاقيات الدولية التي صادقت عليها موريتانيا تحتل مرتبة فوق القوانين العادية وذلك بشرط تطبيقها من الطرف الثاني العضو فيها. ووفاء بالتزاماتها الدولية سنت موريتانيتا العديد من القوانين المكرسة لالتزاماتها الدولية، مثل قانون مكافحة الإرهاب وقانون الحماية الجنائية للطفل وقانون مكلفحة المخدرات وقانون محارية الفساد.
غير أن المادة 79 من الدستور تضع قيدا صارما على المصادقة على الاتفاقيات الدولية وهو عدم مخالفتها للدستور، فإذا أقر المجلس الدستوري بوجود بند في الاتفاقية يخالف الدستور وجب توقيف الترخيص في المصادقة على ذلك البند، ولا يمكن بعد ذلك المصادقة عليه إلا إلا إذا تم تعديل الدستور نفسه. وإذا علمنا أن المادة 5 من الدستور تنص على أن الإسلام هو دين الشعب والدولة، فإنه يمكن أن نستنتج أن إقرار قواعد أو مبادئ دولية تتضمن مخالفة لأحكام للدين الإسلامي يعرضها لإجراءات المادة 79 من الدستور التي بمقتضاها يتم توقيف الترخيص في المصادقة على الاتفاقية المخالفة. لكن الاشكال الذي قد يطرح نفسه في هذا السياق يتعلق بحالة ما إذا عارض الدستور نفسُه نفسَه؛ أي عندما تكون المقتضيات "اللادستورية" مضمنة في الدستور (على اعتبار أن التمسك بالإعلان العالمي لحقوق الانسان الوارد في الديباجة يمثل التزاما دوليا لا دستوري). وهنا تحتلف الإجابة عن هذا الاشكال بحسب اختلاف القانونيين حول القيمة القانونية لديباجة الدستور وهل لها نفس والقوة التي تتمتع بها المواد، وذلك نقاش آخر.
3. تحفظ موريتانيا على بنود بعض الاتفاقيات الدولية لتعارضها مع الدستور ومع الشريعة الإسلامية:
التحفظ هو إجراء قانوني تهدف من ورائه الدول، عندما تستعمله عند توقيعها على الاتفاقية الدولية أو المصادقة عليها، إلى استبعاد تطبيق بعض بنود الاتفاقية في مواجهتها. وقد أقرت المادة 19 والمواد التالية لها من اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات لسنة 1969 حق الدول في التحفظ قائلة إنه " للدولة، لدى توقيع معاهدة ما أو التصديق عليها أو قبولها أو إقرارها أو الانضمام إليها، أن تبدي تحفظا" كما حددت شروطه وآثاره وكيفية سحبه.
وفي هذا السياق، فقد تحفظت موريتانيا على كافة بنود اتفاقيات حقوق الانسان التي ترى أنها تعارض دستورها أو تتعارض مع أحكام الشريعة الإسلامية؛ حيث تحفظت على المادتين 20 و30 من اتفاقية مناهضة التعذيب المتعلفتين بحق ﺍﻟﻠﺠﻨﺔ ﺍﻟﺪﻭﻟﻴﺔ ﻟﻤﻨﺎﻫﻀﺔ ﺍﻟﺘﻌﺬﻳﺐ في ﺩﻋﻮﺓ ﺍﻟﺪﻭﻝ ﺍﻷﻃﺮﺍﻑ ﻓﻲ ﺍﻻﺗﻔﺎﻗﻴﺔ ﻟﺪﺭﺍﺳﺔ ﻣﺎ ﻳﺼﻞ ﺇﻟﻴﻬﺎ ﻣﻦ ﻣﻌﻠﻮﻣﺎﺕ ﻭﺗﻘﺪﻳﻢ ﻣﻼﺣﻈﺎﺗﻬﺎ ﺑﺸﺄﻧﻬﺎ، ﻭﺇﺟﺮﺍﺀ ﺗﺤﻘﻴﻖ ﺳﺮﻱ، ﻭﻃﻠﺐ ﺯﻳﺎﺭﺓ ﺍﻟﺪﻭﻝ ﺍﻷﻃﺮﺍﻑ، وتنصان على اﻟﺘﺤﻜﻴﻢ ﻭﺍﻹﺣﺎﻟﺔ ﺇﻟﻰ ﻣﺤﻜﻤﺔ ﺍﻟﻌﺪﻝ ﺍﻟﺪﻭﻟﻴﺔ
ﻓﻲ ﺣﺎﻟﺔ ﺍﻟﺨﻼﻑ ﺣﻮﻝ ﺗﻔﺴﻴﺮ ﺃﻭ ﺗﻄﺒﻴﻖ ﺍﻻﺗﻔﺎﻗﻴﺔ؛ كما تحفظت على ﺍﺗﻔﺎﻗﻴﺔ ﻣﻨﺎﻫﻀﺔ ﺟﻤﻴﻊ ﺃﺷﻜﺎﻝ ﺍﻟﺘﻤﻴﻴﺰ ﺿﺪ ﺍﻟﻤﺮﺃة تحفظا عاما يتعلق بكل ما يتعارض مع ﺃﺣﻜﺎﻡ ﺍﻟﺸﺮﻳﻌﺔ ﺍﻹﺳﻼﻣﻴﺔ أﻭ مع ﺍﻟﺪﺳﺘﻮر؛ ونفس التحفظ أبدته بشأن ﺍﺗﻔﺎﻗﻴﺔ ﺣﻘﻮﻕ ﺍﻟﻄﻔﻞ.
ونعتقد هذه التحفظات مبنية على أساس من الدستور هو المادتين 5 و79 آنفتي الذكر اللتين تمثلان الحارس الدستوري (Le Garde-fou constitutionnel) لمنع أي نص دولي مخالف للشريعة الإسلامية من الولوج إلى المنظومة القانونية الوطنية. فالدستور يحتل أعلى مرتبة في هرم هذه المنظومة، أما الاتفاقيات الدولية فيأتي ترتيبها فوق التشريع العادي ودون الدستور، لذلك عندما تخالف هذا الأخير تصبح غير دستورية ويتعين إلغاؤها، وصيغة إلغاء الالتزام الدولي هي إما التحفظ على البنود المعنية عند التوقيع أو المصادقة أو إلغاء القانون الذي تمت بموجبه المصادقة عليه إذا كانت هذه الأخيرة قد تمت بالفعل.
4. ختاما يجدر بالذكر، وإن كانت هذه الملاحظة غيرذات صلة مباشرة بعنوان هذه الورقة، أن نصوص الدستور كلها صريحة، أو هكذا يجب أن تكون؛ كما يجب أن يكون هامش التأويل فيها محصورا في أضيق الحدود، وأي مبدأ أوقاعدة لم ينص عليه الدستور أو يحيل إليه صراحة لا يمكن افتراضه ضمن االمنظومة الدستورية للبلد، مهما كانت قوة القرائن؛ وهكذا لا يمكن تصنيف دولة بأنها علمانية إلا إذا كان دستورها ينص صراحة على العمانية أو يكرسها ضمن قواعده، وبالفعل فقد نصت دساتير عددهام من دول العالم الإسلامي على علمانيتها؛ وعلى رأس هذه الدول تركيا (المادة الثانية من الدستور)، ومن بينها مالي (المادة 25 من الدستور) وغامبيا (المادة الأولى من الدستور) والسنغال (المادة الأولى من الدستور)، والعدد يناعز 15 دولة من دول منظمة التعاون الإسلامي.
د. يعقوب آلويمين