على ثنيات العشر الأواخر / محمد المصطفى الولي

2018-06-12 الساعة 18:07



على ثنيات وداع العشر الأواخر من رمضان المبارك نقف على ماذا تركنا رمضان وكيف ودعنا نهاره الجميل ولياليه العطرة وساعاته المفعمة بالحب والإيمان ؟؟ أيام معدودة ويرحل شهر القرآن والتقوى والصبر والجهاد والرحمة والمغفرة والعتق من النار ...وتبقى الأسئلة مشرعة الأبواب ومنظرة الجواب الشافي عن ماذا جنينا من ثمار رمضان اليانعة , وظلاله الوارقه ؟! هل تحققنا بالتقوى

... وتخرجنا من مدرسة رمضان بشهادة المتقين ؟! هل تعلمنا فيه الصبر والمصابرة على الطاعة , وعن المعصية ؟!
هل ربينا فيه أنفسنا على الجهاد بأنواعه ؟! هل جاهدنا أنفسنا وشهواتنا وانتصرنا عليها ؟! هل غلبتنا العادات والتقاليد السيئة ؟! هل ... هل ... هل...؟! أسئلة كثيرة .. وخواطر عديدة .. تتداعى على قلب كل مُسلم صادق .. يسأل نفسه ويجيبها بصدق وصراحة .. ماذا استفدت من رمضان ؟ وقد وصل المسلم إلى أواخره واقترب السباق من نهايته وزادت حرارة الإيمان بدخول العشر الأواخر ورجاء ليلة القدر , فهذا أوان الجد والاجتهاد وإخراج أكثر ما لدى النفس من الطاعة والعبادة , من اجل اغتنام أيام لا تعود , وانتهاز فرصة لا تعوض , ولا ندري من الذي يدرك منا رمضان القادم , وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يجتهد في العشر الأواخر من رمضان ما لا يجتهد في غيرها ، ولكن :

الطُّرقُ شَتَّى وَطُرقُ الحَقِّ مُفْرَدَةٌ ... وَالسَّالِكُونَ طَرِيقَ الحَقِّ أَفرَادُ
لا يُعرَفُونَ وَلا تُدْرَى مَقَاصِدُهُم ... فَهُم عَلَى مَهلٍ يَمشُونَ قُصَّادُ
وَالنَّاسُ فِي غَفلَةٍ عَمَّا يُرَادُ بِهِم ... فَجُلُّهُم عَن سَبِيلِ الحَقِّ رُقَّادُ .

ونركز في هذه الأيام الفاضلة على المحطات العملية التالية ، عسى وقفة للوداع أن تطفئ من نار ماسيحرقه ألم الفراق :

: 1 إحياء الليل : فقد ثبت في الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا دخل العشر أحيا ليله وأيقظ أهله وشد مئزره . ومعنى أحيا ليله : أي استغرقه بالسهر في الصلاة والذكر و غيرهما ، وقد جاء عند النسائي عنها أنها قالت : لا أعلم رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ القرآن كله في ليلة ولاقام ليلة حتى أصبح ولا صام شهراً كاملاً قط غير رمضان . فعلى هذا يتبين أن إحياء الليل المقصود به أنه يقوم أغلب الليل ، ويحتمل أنه كان يحي الليل كله كما جاء في بعض طرق الحديث .

- 2الإكثار من أعمال البر: ومن الأعمال الجليلة في هذه العشر : إيقاظ الرجل أهلة للصلاة ، فقد كان من هدية عليه الصلاة السلام في هذه العشر أنه يوقظ أهله للصلاة كما في البخاري من حديث عائشة المتقدم الذكر ، وهذا حرص منه عليه الصلاة والسلام على أن يدرك أهله من فضائل ليالي هذا الشهر الكريم ولا يقتصر على العمل لنفسه ويترك أهله في نومهم ، كما يفعل بعض الناس وهذا لاشك أنه خطأ وتقصير ظاهر وتضيع بين للرعية ، إذ يجب على الكل أن ينشغل بالعبادة والطاعة وذلك لتصفو النفسو عن الأكدار والمشتهيات فتكون القلوب أقرب إلى السمو وإلى معارج القبول ومراتب التزكية التي تحدوها معانقة الأجواء الملائكية وهذا ما ينبغي فعله للسالك بلا ارتياب.

- 3 ومما ينبغي الحرص الشديد عليه في هذه العشر فضية الإعتكاف ، ومعناه في اللغة الإقامة والملازمة والاحتباس... ، وهو مشروع مستحب باتفاق أهل العلم ، فقد روى البخاري : " كان النبي صلى الله عليه وسلم يعتكف في كلِّ رمضان عشرة أيام فلما كان العام الذي قبض فيه اعتكف عشرين يوماً ". وللإمام الزهري رحمه الله تعالى مقولة تطرح في حاضرنا اليوم إسقاطا للتفريط الي نرتكبه في حق فضيلة الإعتكاف وهو : ( عجباً للمسلمين ! كيف تركوا الاعتكاف ، مع أن النبي صلى الله عليه وسلم ما تركه منذ قدم المدينة حتى قبضه الله عز وجل ) . وكان صلى الله عليه وسلم يحافظ في هذه العشر على الإعتكاف التماسا لليلة القدر وتفريغاً للياليه وتخلياً لمناجاة ربه وذكره ودعائه ,
وقد روى البخاري أنه عليه الصلاة والسلام اعتكف في العام الذي قبض فيه عشرين يوما.

أسرار الإعتكاف :

من أسرار الإعتكاف صفاء القلب والروح، إذ أن مدار الأعمال على القلب كما في الحديث ( ألا و أن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب ) .
فلماكان الصيام وقاية للقلب من مغبة الصوارف الشهوانية من فضول الطعام و الشراب و النكاح فكذلك الإعتكاف ينطوي على سر عظيم وهو حماية العبد من آثار فضول الصحبة وفضول الكلام وفضول النوم وغير ذلك من الصوارف التي تفرق أمر القلب وتفسدُ اجتماعه على طاعة الله . ومن فوائده الانقطاع والتخلص من شواغل الدنيا وخطراتها على القلب وتفرغ القلب بالكليَّة لله تعالى وحده والبعد عن اللغو والإعراض عنه .. وقد اختلف العلماء على عدة أقوال في مدة الإعتكاف ، منهم من قال أقل الاعتكاف عشرة أيام، ومنهم من قال يوم وليلة، ومنهم من قال يوم أوليلة ، وأرجح الأقوال أن أقله يوم أو ليلة، لحديث عمر رضي الله عنه قال : (( أوفِ بنذرك))، قال :"نذرت أن أعتكف ليلةً" وفي رواية "يوماً"، وهما صحيحتان. فقال العلماء أن أقل الاعتكاف يوم أو ليلة لأنه أمر تعبدي ، أما أكثره فلاحد له .

4 العمرة في رمضان: ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : "عمرة في رمضان تعدل حجة" (أخرجه البخاري ومسلم) .

5 تحري ليلة القدر : قال تعالى : إنا أنزلناه في ليلة القدر (1) وما أدراك ما ليلة القدر (2) ليلة القدر خير من ألف شهر ) (القدر: 1-3 ). وقال صلى الله عليه وسلم : "من قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غُفر له ما تقدم من ذنبه " (أخرجه البخاري ومسلم) ، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يتحرى ليلة القدر ويأمر أصحابه بتحريها ، وكان يوقظ أهله في ليالي العشر رجاء أن يدركوا ليلة القدر ، وهي في العشر الأواخر من رمضان ، وهي في الوتر من لياليه أحرى . وفي الحديث عن عائشة قالت : "يا رسول الله إن وافقتُ ليلة القدر ما أقول ؟ قال : قولي : اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني" (رواه أحمد والترمذي وصححه) . فيستحب تحريها في رمضان ، وفي العشر الأواخر منه خاصة ، فقد جاء في صحيح مسلم من حديث أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اعْتَكَفَ الْعَشْرَ الأَوَّلَ مِنْ رَمَضَانَ ثُمَّ اعْتَكَفَ الْعَشْرَ الأَوْسَطَ فِي قُبَّةٍ تُرْكِيَّةٍ ( والقبة : الخيمة وكلّ بنيان مدوّر ) عَلَى سُدَّتِهَا حَصِيرٌ قَالَ فَأَخَذَ الْحَصِيرَ بِيَدِهِ فَنَحَّاهَا فِي نَاحِيَةِ الْقُبَّةِ ثُمَّ أَطْلَعَ رَأْسَهُ فَكَلَّمَ النَّاسَ فَدَنَوْا مِنْهُ فَقَالَ إِنِّي اعْتَكَفْتُ الْعَشْرَ الأَوَّلَ أَلْتَمِسُ هَذِهِ اللَّيْلَةَ ثُمَّ اعْتَكَفْتُ الْعَشْرَ الأَوْسَطَ ثُمَّ أُتِيتُ فَقِيلَ لِي إِنَّهَا فِي الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ فَمَنْ أَحَبَّ مِنْكُمْ أَنْ يَعْتَكِفَ فَلْيَعْتَكِفْ فَاعْتَكَفَ النَّاسُ مَعَهُ قَالَ وَإِنِّي أُرْيْتُهَا لَيْلَةَ وِتْرٍ وَإِنِّي أَسْجُدُ صَبِيحَتَهَا فِي طِينٍ وَمَاءٍ فَأَصْبَحَ مِنْ لَيْلَةِ إِحْدَى وَعِشْرِينَ وَقَدْ قَامَ إِلَى الصُّبْحِ فَمَطَرَتْ السَّمَاءُ فَوَكَفَ الْمَسْجِدُ فَأَبْصَرْتُ الطِّينَ وَالْمَاءَ فَخَرَجَ حِينَ فَرَغَ مِنْ صَلاةِ الصُّبْحِ وَجَبِينُهُ وَرَوْثَةُ أَنْفِهِ فِيهِمَا الطِّينُ وَالْمَاءُ وَإِذَا هِيَ لَيْلَةُ إِحْدَى وَعِشْرِينَ مِنْ الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ . صحيح مسلم .

6 الإكثار من قراءة القرءان والصدقة والذكر والدعاء والاستغفار والإنابة إلى الله والتوبة والرجوع إليه سبحانه وتعالى . ( وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ) (غافر:60)
وفي الحديث القدسي يقول سبحانه : (يا عبادي إنكم تخطئون بالليل والنهار وأنا أغفر الذنوب جميعا فاستغفروني أغفر لكم)
وقال رسول الله : (( من لزم الاستغفار جعل الله له من كل ضيق مخرجا ومن كل هم فرجا ورزقه من حيث لا يحتسب )) .

رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلانَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ . اللَّهُمَّ إنا نسألك قلوبا أواهة مخبتة منيبة في سبيلك. اللَّهُمَّ إنا نسألك خير المسألة وخير الدعاء وخير النجاح وخير العمل وخير الثواب وخير الحياة وخير الممات وثبتنا وثقل موازيننا وحقق إيماننا وارفع درجاتنا وتقبل صلاتنا واغفر خطيئاتنا ونسألك الدرجات العلى من الجنة.
محمد المصطفى الولي