أسعار المحروقات بموريتانيا / الباحث الطالب براهيم ولد الطلبه

2017-07-7 الساعة 17:51



تشكل المحروقات المحرك الأساسي لعجلة التنمية في أي بلد ، حيث أن عملية التنمية تتأثر سلبا وإيجابا بزيادة ونقص أسعار هذه المادة ، فعالميا ظلت أسعار البترول في ازدياد مضطرب مما أثر بزيادة أسعار المشتقات البترولية والغازية (البنزين، المازوت، الغاز المنزلي ...)، إلا أنه في السنوات الأخيرة، بدأت أسعار النفط تتهاوى في العالم، حتى وصل سعر البرميل إلى مستويات غير مسبوقة ، واستفادت العديد من الدول من هذا الهبوط ، فخفضت أسعار المحروقات ، إلا أن بلدنا للأسف الشديد لم يترجم هذا النقص على أرض الواقع ...

1 ـ تطورات أسعار المحروقات

منذ سنوات بدأت الحكومة سلسلة من الزيادات المتتالية في أسعار المحروقات ، حتى وصلت في السنة الماضية إلى مستويات قياسية ، حيث بلغ سعر لتر المازوت 384 أوقية والبنزين 436 أوقية ، في حين أن هذه الأسعار لم تكن تتجاوز قبل سنة 2008 ، 250 أوقية للتر المازوت و290 لسعر البنزين، ولقد شكلت هذه الأسعار مفارقة كبيرة ، وذلك بالتوازي مع التراجع المستمر في أسعار النفط عالميا ، فلقد انصرم العام 2014 على انخفاض كبير بنحو 60%حيث وصل إلى ما دون 60 دولار للبرميل ، بعد ما كان قد ارتفع إلى 147 دولار للبرميل.

ولتحليل الزيادة في أسعار المشتقات البترولية رغم الانخفاض الحاد في أسعارها عالميا ، فإن ذلك يعود إلى الأسباب التالية :

ـ الغاء الهامش التصحيحي : أو ما يعرف بالدعم الحكومي لأسعار المحروقات السائلة ، وقد وصل هذا الدعم إلى 70 أوقية للتر ، وظل في تقلص مستمر حتى تم الغاؤه بشكل كامل بموجب مقرر مشترك صادر يوم 24 يونيو 2012 عن وزراء الطاقة والمالية والتجارة. وقد جاء هذا الإلغاء استجابة لتقرير أصدره صندوق النقد الدولي في نفس العام، وادعى فيه بأن هذا الدعم لا يستفيد منه إلا الأغنياء!

ـ الضرائب والرسوم: السبب الثاني ارتفاع الضرائب والرسوم الجمركية على هذه المادة الحيوية ، حيث تبلغ 20%من السعر ، ويعتبر البعض الضرائب والرسوم الجمركية عبارة عن ربح الدولة من أسعار المحروقات ، إلا أنها تعتبر عائدا مهما لخزينة الدولة ، حيث أن قيمة هذه الضرائب والرسوم تصل إلى ما يقارب 40 مليار من الأوقية سنويا ، وهو ما يزيد على10%من مجموع إيرادات الدولة ، ففي بلد مثل فرنسا تساهم هذه الرسوم ب20% من ميزانية الدولة، كما تمثل حوالي 80% من السعر النهائي للوقود. وهناك هوامش أخرى تدخل في تركيبة السعر منها : تكاليف وهامش الموزع 17.5 أوقية وهامش محطة الخدمة 8أوقية ، إلى غير ذلك من الهوامش الأخرى من تكاليف النقل ... وتصل الزيادة بالمجمل على أسعار الميناء إلى 105 (ضرائب، رسوم ،أرباح ...).

وعموما فإن الدولة بقيت عاجزة عن نقص أسعار المحروقات ، بل إن الحكومة وعلى لسان وزير البترول والطاقة والمعادن : محمد ولد خونه ، قال بأن فارق السعر الحقيقي بين لتر البنزين والمازوت بعد الانخفاضات الأخيرة في أسعار الطاقة تذهب الي حساب خاص للدولة انشئي من اجل استعادة تسعة مليارات أوقية سبق وان قدمتها دعما للطاقة.

لكن حتى ولو قبلنا بهذا التبرير فإننا نقف حائرين أمام التقارير التي صدرت أخيرا ، وتشير إلى أن السلطات حققت أرباحا تزيد على 18 مليار أوقية ، خلال الأشهر الستة الماضية من فارق أسعار النفط. فإذن أصبح هناك فائض يزيد على ما تقول الدولة بأنها صرفته لدعم أسعار المحروقات في السنوات الماضية.

وإذا ما عقدنا مقارنة مع دول الجوار ، فيمكننا أن نأخذ بلدين جارين لموريتانيا ، احداهما في الشمال والأخرى في الجنوب ، ففي الشمال المملكة المغربية والتي انخفضت فيها أسعار المحروقات ، بعد النزول في أسعار النفط العالمي ، حيث قررت الحكومة قبل أشهر تحديد سعر البنزين ب 11.97 درهم بانخفاض قدره 0.83 درهم إضافة إلى بعض المشتقات الأخرى.

وفي جارتنا الجنوبية السينغال أعلن عن تخفيضات معتبرة في أسعار المحروقات شملت كل العينات ، وذلك تماشيا مع الانخفاضات الكبيرة التي عرفتها الأسعار العالمية . فقد انخفض سعر البنزين العادي ب 87 افرنك افريقي ، أي من 852 إلى 785 فرنك افريقي ، وتراجع المازوت بفارق 102 فرنك ليصبح سعره 690 فرنك.

2 ـ الآثار الايجابية والسلبية لثبات أسعار المحروقات

ـ الآثار الايجابية:

تكاد تكون الآثار الايجابية تعود بمجملها إلى الحكومة ، حيث أن التراجع في أسعار النفط سيكون له انعكاس ايجابي على صندوق دعم المحروقات ، الذي تراجعت نفقاته بشكل لافت ، كما تراجعت الواردات من المواد النفطية ، وهو ما يقلص بشكل مباشر العجز التجاري ، كما أن هذا الانفاق المستمر في أسعار النفط يساعد على استقرار الميزانية والتغلب على عجز الموازنة.

ـ الآثار السلبية:

تؤدي الزيادة في أسعار المحروقات إلى ضعف تنافسية الاقتصاد ،وذلك ناتج عن حصول العديد من الآثار السلبية التي تتحمل عبئها الطبقة المتوسطة والفقيرة ، ومن هذه الآثار ما هو مباشر وغير مباشر.

ـ ارتفاع أسعار المحروقات يفضي لارتفاع كلفة النقل: كما كان متوقعا في السنتين الماضيتين وخلافا للتطمينات التي حاولت الحكومة من خلالها التقليل من الانعكاسات التي يمكن أن تنتج عن قرار الغاء الدعم عن المحروقات ، قررت التمثيليات المهنية للفاعلين في قطاع النقل الزيادة في تسعيرات خدماتها اثر الزيادات المتتالية لأسعار المحروقات ، بفعل الغاء الدعم المخصص لهذه المادة من جهة ، وتطبيق نظام المقايسة الذي يقضي بعكس تقلبات الأسعار في الأسواق الدولية ، وإذا كان من الصعب تحديد انعكاسات الزيادة في تعريفات النقل بدقة على أسعار المواد ، فإن من المؤكد أن لها انعكاس محتم على الأسعار عند الاستهلاك مع المستهلك النهائي الذي يتحمل لوحده أعباء هذه الزيادة.

ـ زيادة تكاليف الصناعات التحويلية : وهو ما يؤثر سلبا على المصانع ويهدد باستمرارية تنافسيتها أمام الاستيراد الخارجي.

ـ ارتفاع أسعار الغاز المنزلي يزيد من متاعب المواطنين المادية ، فحسب مؤشر الاستهلاك الشهري الصادر مؤخرا عن المكتب الوطني للحصاء فإن سعر الغاز الحجم الكبير وصل 2800 ، أما الحجم الصغير فقد ارتفع سعره من 414 أوقية إلى 480 إلى أن وصل إلى 700 ، وتبقى هذه الأسعار خاصة بالمراسل.

ـ آثار طويلة الأمد : زيادة البطالة والفقر: إن ارتفاع أسعار البنزين والمازوت يزيد من تكلفة المواطن العادي محدود الدخلمما سيؤثر على حياته اليومية وسيزداد الفقير فقراً وسيصبح المواطن غير قادر على تأمين متطلبات الحياة اليومية ،إضافة إلى ذلك لن تستطيع الصناعة الموريتانية أن تثبت أمام المستوردات الخارجية الواردة إلينا من كافة أنحاء العالم ، مما سيؤدي إلى إفلاس وإغلاق العديد من المعامل والمصانع المتوسطة الحجم والصغيرة وبالتالي سيؤدي ذلك إلى زيادة البطالة في السوق الموريتاني .

3 ـ مطالب وحلول ملحة

بعد استعراضنا لتطورات أسعار المحروقات وآثارها على المواطن (الذي هو المستهلك) فإننا نخلص إلى أنه لابد من التدخل السريع من طرف الدولة في خفض الأسعار والاستفادة بالتالي من نقص أسعار النفط العالمي.

فما دام صندوق النقد الدولي وهيئات التمويل الخارجي لا تقبل بتخصيص صندوق لدعم الأسعار وتقترح دائما اللجوء إلى جيوب المواطنين لتخطي الأزمات وعدم اللجوء إلى الاقتراض ، فإن الحل يكون هنا بتخفيض الضرائب والرسوم الجمركية على هذه المادة ، كما أنه لابد من تحرير السوق وعدم احتكارها من طرف مستورد واحد يفرض أسعاره كيفما شاء ، وكذلك البحث عن بدائل لتوليد الطاقة.