السراج تنشر الملف الفرنسي الكامل للشهيد محمد ولد امسيكه

2017-07-7 الساعة 18:20



كانت "أشهد أن لا إله إلا الله" آخر ما تلفظ به الرجل محمد ولد امسيكة قبل أن يقضي عليه رجلان يبحثان عن المال عبر العار والدماء، توفي الرجل وظلت ذكراه إلى الآن طيفا نبيلا يؤرق ذاكرة العمالة للاستعمار، لكن ذكرى أدبية مجهولة المصدر رافقت استشهاد الرجل، أعني ذلك الكاف السيار الذي ينسب إلى الرجل أو الذي قيل على لسانه، أو قيل إن أحد أصدقائه أخذه عن الرجل في رؤيا منام.

عنك كول لسام وعبدات الكوم ال كبظو بايدي

عن يوم الدنيه راه فات الواعر يوم الوعيدي

لم يكن سام وعبدات إلا رجلين من الذين استهواهما الطمع لقتل الرجل المقاوم، سعيا إلى جائزة أغلب الظن أنهما لم ينالاها، فقد توفي أحدهما غريبا عن وطنه، بعد أن طادرته لعنات الجريمة وبعد أن اتسعت مساحة الجريمة، لتشمل الوطن كله، ففي كل شبر من هذا الصحراء، كان يحس بعيون ولد امسيكه الصقرية، تلاحقه، ويحس بالدم يكاد يفور من بين عروق الأرض. ، أما الثاني فقد اختبل عقله، ومات شيخا مهووسا، يبكي عند ما يستعيد شريط الجريمة ، ولا يبخل على سائله بسرد كل التفاصيل المؤلمة، وفق الروايات المتداولة في هذا الصدد.

ووفاء من السراج لذكرى الرجل الشهيد الذي سلخ الرعب والخوف من قلبه منذ سنينه الأولى، ووفاء لأعلام الوطن تنشر الوثائق الكاملة لملف الرجل، وتبقى المعلومات الواردة في تلك الوثائق مجرد شهادات وأوامر ومتابعات كتبها الضباط الفرنسيون وعملاؤهم، من المجندين والمترجمين، كما تضم أيضا اعترافات مهمة لأحد قتلة الشهيد ولد امسيكه.

ويبقى جانب مهم من حياة ولد امسيكه، وهو تراثه الجهادي المقاوم، أو ما تصفه الوثائق الاستعمارية " بالجريمة وقطع الطرق" مبثوثا بكثرة في روايات تتخذ شكل الأساطير والملاحم، وتقدم الرجل في صورة صعلوك فاتك ينساب كالنسيم في عروق الأرض وفجاجها، فهو عنيف كالإعصار ولطيف كالهواء، فلا يمكن "القبض عليه"

كان لولد امسيكه عداوة راسخة مع المستعمر، ومع جنوده وحرسه، ومع الذين ظلموه، وأهانوا أسرته ووالدته الضعيفة، كما تقول بعض الروايات، كما كانت له علاقات راسخة جدا مع بعض العلماء والمشايخ الكبار، ومنهم على سبيل الخصوص المرحوم يعقوب ولد الشيخ سيديا، كان ولد امسكية يرد بين الحين والآخر إلى يعقوب، فيهدي له، ويطلب منه الدعاء و"الحجاب" وكان يعقوب يقول للرجل " لن يقدر عليك عدوك"، وبالفعل أتي الرجل من مأمنه، وكانت خاتمته، على يد أفراد كان يظن أن "فيهم ريحا من يعقوب" لكنهم فندوا الظن، وأقدموا على قتل الرجل الأسمر الشجاع، عاش يعقوب أكثر من خمسين سنة بعد ولد امسيكه، وهو يترحم عند كل ذكرى على روح "صديقه " الشهم.

تتعدد الروايات الأسطورية عن ولد امسيكة، وتقول إحدى تلك الروايات، إن الرجل بات ليلة عند أسرة رجل يدعي الشجاعة، ويود لو قدر له لقاء ولد امسيكه، ويقول "سأمسكه وأشد وثاقه، وأفعل وأفعل، وعند الصباح اتضح الأمر ورأى الرجل ولد امسيكة عيانا، وعندما خرج ليشيعه خارج الحي قال له : إنني أظن أنك ولد امسكية، فقال الشهيد : نعم أنا ولد امسكية، فرد الرجل وقد انحلت عرى شجاعته..إن ما سمعت البارحة ليس أكثر من كلام أسمعه لزوجتي لا أكثر..ضحك ولد امسيكة..وترك الرجل يستعيد ما تبقى من "فؤاده".

وتقول رواية أخرى إن مجندا سنغاليا يدعى ملل كان يتمنى لقاء ولد امسيكة، ويؤكد للفرنسيين أنه سيأتيهم بالشهيد موثقا بالحبال، وذات مرة خلا لولد امسكية الجو بالسيد ملل، خلف التلال الغربية لبوتلميت وكانت حينها هضابا أمثال الجبال، يشعلها الحر لهيبا ورمضاء، قبض ولد امسيكه على ملل، وسلبه سلاحه، وملابسه، وربط يده بعنقه، وضربه بسوطه، ثم رفعه إلى أعلى التلة، وأمره أن يركض إلى أسياده الفرنسيين، وهو يردد ..ينسخ ملل .ينسخ ملل..وظل الرجل يتدحرج في الرمضاء، وهو يكرر ..ينسخ ملل ..ثم أطلقها الناس مثلا سائرا مشهورا شهرة شجاعة ولد امسيكة.

وفي أخرى يمسك الرجل في شكار بأحد المجندين الذين يبحثون عنه/ بل يبحثون عن الجائزة، فيقبض عليه، ويلح الرجل في طلب الفكاك، لكن ولد امسيكه، يفرج عنه بعد أن يشترط عليه أن يعدو ركضا حتى لا يبيت إلا في مكطع لحجار، وينزل الشرط على الرجل نزول الفرج بعد الكربة، ويقول " لا بخلان" لتسير هي الأخرى مثلا.

كان ولد امسيكه حسن السمت حسن الصوت، طالما تراقصت "الحرطانيات" على صوته الأخاذ وهو يردد .."إيه النبي زين وفالح"، وربما أسعفته شخصيته الفنية، في الإيقاع بمجموعة من كوميات وهم يتراقصون طربا، كما حدث ذات مساء في ألاك، عندما كان الكوميات يتمايلون على إيقاع "تيدنيت لعور ولد انكذي" قبل أن يتدخل ولد امسيكة مرتين، "دخولا فنيا"مطربا، وتدخلا "عسكريا مرعبا".

ذات مرة قبض على ولد امسكية، ونقل إلى سجن "لكديه" وخاطبه المترجم ساخرا : إن الكوماند يقول لك ستقضي الصيف الساخن في هذا السجن بين البعوض، فرد عليه : قل ذلك لمن سيقضي الصيف هنا، وبالفعل اخترط ولد امسيكة، ذات مرة سلاح أحد الحراس، ثم أفلت المطاردين، وسار في رحلة أخرى من مراحل السفر النبيل.

ويذكر الفقيه عبد الله المختار بن عبد الكريم – في مقابلة سابقة مع السراج – أن فرنسيين وكوميات مروا ذات مرة قرب والده عبد الكريم، وهو يحملون معهم ولد امسيكة مقيدا، فطلب الشهيد منهم السماح له بزيارة ذلك المرابط، وعندما وصل إليه أهدى له 20 أوقية، وقال له : ادع الله لي فأنا لا أضر المسلمين، ولكنني سأظل في حرب مع هؤلاء النصارى، وفي المساء عاد ولد امسيكة إلى لمرابط وهو يسوق جمال الفرنسيين، وقال له : سللت يدي من القيد واستللت سكين أحد الفرنسيين، فهتكت به خاصرته، ثم قذفته من فوق الجمل، وأخذت بندقيته وضربت بها الثاني، وها أنا في طريقي إلى رحلة أخرى.

في 1950، أسلم الرجل الروح إلى باريها، على يد رجلين أمناه، وتحرما بطعامه وإكرامه، قبل أن يغدرا به، وبعد أيام قليلة من وفاته، دخل صيف حار لاهب، سماه الناس "إريفيت ولد امسيكه"

رحم الله الشهيد محمد ولد امسيكة، وتقبله في الصالحين، ما أقل ما نال من التكريم، فلا يزال اسمه الأقل تداولا في أبطال المقاومة، رغم ما أثار من رعب في صفوف الفرنسيين، وعملائهم، وما هتك لهم من صدور وخواصر.

#ملف ولد امسيكه لدى الفرنسيين
الملف رقم 43

I. الشخص

1. الجذور: حرطاني من أشفاغ الخطاط، فرع أهل باركل، اكجوجت.

2. الأوصاف: القامة تتجاوز 1.70 م، عريض الصدر، البشرة فاتحة جدا، اثنتان من ثناياه ساقطتان، به أثر جرح من ضربة خنجر أصابه بها أحد الحرس عندما كان موقوفا، به أثار قيود حديدية في الرجلين، به غدة (أو بثور كبيرة) على مستوى الصدغ كان يتعالج منها، طويل شعر الرأس، عمره