هل أزفت ساعة سقوط الهيمنة الفرنسية في إفريقيا؟ / عالي ولد أعليوت

2022-02-23 الساعة 15:24



يتفق علماء السياسة – الذين يستلهمون نظرياتهم، من التجارب الواقعية والتحولات في النظام العالمي – على أننا نعيش الآن مرحلة تشييد نظام دولي جديد، لن تكون فيه دول عديدة في العالم مجرد كيانات تحركها قوى كبرى حسبما تريد أو حتى أنها تكون مجرد مراقب، لما تقرره هذه القوى، لأن ما يجرى في المرحلة الراهنة هو ولادة نظام دولي جديد، سيكون مختلفا عن الأنظمة التي سبقته تاريخيا.
لم تتقبل فرنسا هذه الحقيقة المرة ولم تعمل ولو جزئيا بمقتضاها حتى خرجت صاغرة من الأراضي المالية، بعد أزيد من قرن من الهيمنة والنهب الممنهج لثروات الشعب، الذي أرادت له أن يظل أداة لخدمتها، فأبى هذا الشعب إلا أن يلبي نداء التاريخ ويقول وداعا فرنسا (adieu la France).
نعم خرجت فرنسا من الأراضي المالية، ومع خروجها بهذه الطريقة المهينة، ستخرج لا محالة عظمتها من قلوب الأفارقة، قلوب يعتصرها ألم الظلم والممارسات الفرنسية البشعة التي عاشتها الشعوب الإفريقية ردحا من الزمن، على يد الدولة الفرنسية التي تفننت في إذلال الشعوب الإفريقية، ونهب ثرواتها بدعوى محاربة الفقر والإرهاب والدكتاتورية ... وهي عناوين تستخدها فرنسا للإستهلاك السياسي وتنويم الشعوب الإفريقية النائمة أصلا، ولا أدل على ذلك من كون الفقر والإرهاب والدكتاتورية، ظلت في تزايد مضطرد، حتى وصلت اليوم إلى وضع لا يتحمل، الشيء الذي أشعل ما صنعته فرنسا من كراهية دفينة في قلوب الأفارقة.
لم تقتصر الحساسية من الوجود الفرنسي والتبعية لفرنسا، على الشعب المالي، بل ظهر نفس الشعور منذ سنوات في منطقة الغرب الافريقي ومنطقة الساحل بصفة عامة، حيث شهدت هذه المنطقة حراكا مناهضا للوجود الفرنسي؛ جعل المتابعين لملف العلاقات الفرنسية الغرب إفريقية يتساءلون؛ عن مستقبل الوجود الفرنسي في المنطقة التي ظلت تشكل العمق الاستراتيجي لفرنسا فترة طويلة من الزمن ...؟
لا شك أن مالي تلعب دور بطل المسلسل ادرامي لسقوط الهيمنة الفرنسية؛ لكن ما خفي أعظم، ويتجلى ذلك بوضوح فيما يطفو على السطح من حين لآخر من تصاريح لبعض كبار المسؤولين الأفارقة، يأتي في مقدمة هؤلاء على سبيل المثال لا الحصر، الرئيس الايفواري آلاسان واترا الذي صرح في مقابلة مع وسائل إعلام فرنسية بوجود بدائل في الشراكة الاقتصادية عن فرنسا وأوروبا، في حال لم يغير الأوروبيون نظرتهم لطبيعة العلاقة وأسس الشراكة، وعثمان سونوغو زعيم المعارضة السنغالية، الذي قام بإزاحة اسم فرنسا من أحد الشوارع الرئيسة واستبداله بإسم الاتحاد الافريقي.
هذا بالإضافة إلى الحراك الشبابي الإفريقي الذي أصبح يجاهر بضرورة القطيعة مع فرنسا وخصوصا في الجوانب الاقتصادية، ويركز بصفة أساسية على ضرورة فك ارتباط الفرنك الافريقي بفرنسا.
وفي ظل التذمر المتزايد في أوساط الشعوب الإفريقية من الوجود الفرنسي، بادرت قوى أخرى من المحور الآخر؛ إلى بناء شراكات اقتصادية في إفريقيا، مثل الصين وتركيا وروسيا التي تسعى إلى سد الفراغ الأمني في مالي، بعد أن كان حكرا على فرنسا ومن ترضاه حليفا.
كما أن الأفارقة يرون في الشركاء الجدد خاصية الندية في التعامل، بعيدا عن الهيمنة والتبعية التي تحكم علاقتهم بفرنسا، إضافة إلى سلامة العلاقة من إرث الاستعمار ونهب الثروات.
وفي انتظار ما ستحمله الأيام من مآلات تراكم التذمر ورفض الوجود الفرنسي؛ يبقى أمل الشعوب الإفريقية معلق على قدرة القادة الأفارقة على فهم حتمية التحول، واستقراء مستقبل موازين القوة في العلاقات الدولية، واستغلال المشاعر الملتهبة للشعوب، من أجل تخليص القارة الإفريقية من الاستعمار الفرنسي المتجذر ثقافيا، واقتصاديا ودبلوماسيا -وشعبيا حتى، والذي قد لا يكون من السهل التخلص منه بتلك السهولة التي يتمنى البعض، حتى ولو كانت القوى المنافسة لفرنسا (الصين روسيا، تركيا..) تمتلك القدرة المادية والمعنوية اللازمة لجعلها مؤهلة لتحتل مكانة فرنسا، خصوصا أن المنطقة تشهد موجة من عدم الاستقرار وعدم النضج الديمقراطي، تجعل من الصعب حصول ما يلزم من قوة التدبير الضرورية لرفع التحدي.
لا شك أن فرنسا تشعر منذ فترة بتراجع نفوذها في إفريقيا، تحت وطأة الوعي المتنامي لدى شعوب القارة وقوة المنافسة، بعد ما ظلت تهيمن فترة طويلة، ترفع من تشاء إلى سدة الحكم، وتبعد من أراد السباحة عكس تيارها، حفاظا على مصالحها، لكنها اليوم أصبحت مرغمة على الانحناء أمام إرادة الشعوب الإفريقية، وإعادة بناء الشراكة على أساس الندية والمصالح المتبادلة، بعيدا عن منطق الهيمنة والتبعية، وإلا فسيجرفها سيل قضب الشعوب الملتهب، وتذروها رياح التغيير، ويخلو وجه القارة السمراء لشركاء جدد، أصبحت كفة توازن القوى الكبرى تميل لصالحهم.