أوراق كاشفة .. ورقة عن المعارضة وغياب النقد الذاتي / محمد الأمين الفاضل

2019-07-8 الساعة 15:49



تعودت المعارضة مع كل موسم انتخابي أن تُرجع أسباب فشلها في الانتخابات ـ كل أسباب فشلها ـ إلى تدخل السلطة وعمليات التزوير، وجرت العادة أن تتجاهل المعارضة الأسباب الأخرى التي ساهمت في صنع تلك الخسارة، وخاصة ما كان منها ذاتيا، ولا علاقة له بتدخل السلطة في العملية الانتخابية.

صحيحٌ أن تدخل السلطة لصالح مرشحها هو من أهم أسباب خسارة مرشحي المعارضة في الانتخابات، ولكن الصحيح أيضا هو أن ذلك التدخل قد يأتي في بعض الأحيان بنتائج عكسية لما كان يُراد منه، وأزعم أنه لو تم تنظيم انتخابات 22 يونيو بعد أسبوعين أو ثلاثة من خطاب إعلان ترشح غزواني لفاز هذا المرشح بنسبة تزيد على 60%. إن تدخل الرئيس محمد ولد عبد العزيز وبعض وزرائه وظهورهم في حملة المرشح غزواني لم يكن في صالح المرشح، بل إنه أدى إلى تراجع شعبيته، والتي كان قد اكتسبها من خلال خطابه القوي الذي ألقاه عند إعلان ترشحه.

لا أحد يستطيع أن ينفي بأن تدخل السلطة وانحيازها لمرشحها هو من أهم أسباب خسارة مرشحي المعارضة، ولكن ذلك لا يعني بأن هذا التدخل ليست له جوانب سلبية على مرشح السلطة، ولا يعني كذلك بأنه لا توجد أسباب أخرى ساهمت في صنع فشل المعارضة، وهي أسباب قد تكون نتيجة لعوامل ذاتية، ولا علاقة لها بتدخل السلطة.

ما أشبه 2019 ب2009

فاز المرشح محمد ولد عبد العزيز في الشوط الأول من انتخابات 18 يوليو 2009، وكان من أهم أسباب فوزه هو أنه نفذ عملية سطو ناجحة على خطاب المعارضة، وخاض حملة انتخابية سابقة لأوانها (حملة 6/6). بعد إعلان نتائج انتخابات 18 يوليو 2009 رفض أربعة من المترشحين الاعتراف بفوز المرشح ولد عبد العزيز، وتم حينها الحديث عن تزوير كيمياوي وعن باء طائرة. في تلك الفترة كتبتُ مقالين حاولتُ من خلالهما أن أنبه المعارضة على أن هناك أسبابا أخرى ساهمت في الخسارة و يجب التوقف عندها، وأخذ العبرة منها مستقبلا. كان المقال الأول تحت عنوان "الباء الهاربة : قصة يوم من أيام بني معارض" نُشر يوم 26 يوليو 2009، وكان المقال الثاني تحت عنوان "الطريق إلى الانتحار" نُشر يوم 11 نوفمبر 2009.

لم تقم المعارضة بأي نقد ذاتي، واكتفت بالحديث عن التزوير وعن "الباء الطائرة" لتبرير خسارتها في العام 2009، وها هي اليوم مع انتخابات 2019 تكرر الأغنية ذاتها، وتكتفي بالحديث عن التزوير لتبرير خسارتها في العام 2019، وربما تكرر معارضتنا نفس الأغنية بعد الإعلان عن نتائج انتخابات 2024.

ألم يحن الوقت لنقد ذاتي من داخل المعارضة؟

لقد كنتُ من المهتمين كثيرا بملف رئاسيات 2019، ولذا فقد سارعت إلى كتابة سلسلة مقالات تحت عنوان " حتى لا نضيع فرصة 2019"، نُشر أولها مع مطلع العام 2018، ونُشر آخرها في شهر أكتوبر من نفس العام، وكانت هذه السلسة من أجل حث المعارضة على التحضير المبكر لرئاسيات 2019، ومن أجل تذكيرها بأخطاء الماضي، حتى لا تكررها في العام 2019.

لنعد إلى هذه السلسلة وإلى مقالات أخرى ذات صلة بملف رئاسيات 2019، وذلك لكي نميط اللثام عن أسباب أخرى ساهمت في صنع فشل المعارضة، وهي أسباب لا تجد في العادة من يتحدث عنها.

المعارضة والتكتلات السياسية الهشة

من الملاحظ أن التكتلات والتحالفات السياسية التي تقيمها المعارضة تتفكك دائما عند اللحظات الحرجة ومع كل موسم انتخابي هام، فكل التكتلات التي شكلتها المعارضة الموريتانية خلال العقد الأخير ظلت توهمنا دائما بانسجام خدَّاع في المسيرات وفي المؤتمرات الصحفية وفي البيانات المنتقدة للنظام، ولكن هذه التكتلات تتفكك دائما عند أول اختبار جدي لانسجامها ولوحدتها.

لقد تفكك ائتلاف قوى التغيير مع انتخابات 2007، وتفككت الجبهة خلال وبعد استحقاقات 2009، وتفككت المنسقية مع استحقاقات 2013، وعرف المنتدى الوطني للديمقراطية والوحدة عدة انسحابات ليتفكك وبشكل كامل قبيل انتخابات 2019.

تفكك المنتدى في لحظة حاسمة، وبطريقة مثيرة للشفقة، فتوزعت مكوناته ـ وبشكل شبه متقارب ـ على أربعة مرشحين وهم : محمد مولود؛ غزواني؛ سيدي محمد بوبكر وكان حاميدو بابا.

المعارضة وعدم الوفاء بتعهداتها

جاء في وثيقة إعلان المبادئ التي وقعتها أحزاب المعارضة في يوم 17 يناير 2019 بأن الأحزاب الموقعة على تلك الوثيقة ستعمل على اختيار مرشح موحد أو رئيسي تتقدم به في رئاسيات 2019.

لقد تعهدت الأحزاب الموقعة على وثيقة إعلان المبادئ بالتقدم بمرشح رئيسي في انتخابات 2019، تعهدت بذلك لجماهيرها وللشعب الموريتاني، ودون أن تتعرض لأي إكراه من أي نوع، وتم الترويج كثيرا لذلك التعهد.

لم تلتزم المعارضة بذلك التعهد الذي قطعته على نفسها دون إكراه، وخرجت بأربعة مترشحين وهو ما أصاب الكثير من جماهيرها بخيبة أمل كبيرة. فهل يمكن تحميل عدم الوفاء بهذا التعهد للسلطة الحاكمة أم أن مسؤولية عدم الوفاء بذلك التعهد تقع على عاتق المعارضة؟

المعارضة والفشل في استثمار الفشل

فشلت المعارضة في الخروج بمرشح موحد، وتقدمت بأربعة مترشحين، وكان يمكن أن يتم استثمار هذا الفشل بشكل إيجابي، وهو ما كتبتُ عنه عدة مقالات، ولكن المعارضة فشلت أيضا في ذلك.

إن التأمل الفطن في خريطة ناخبي كل مرشح من المرشحين الأربعة الذين تقدمت بهم المعارضة سيقودنا إلى استنتاج مفاده أن المترشحين الأربعة هم أقرب إلى التكامل انتخابيا من التنافس، وقد ظهر ذلك جليا بعد إعلان النتائج حيث تأكد أن الكثير من الموريتانيين صوت على أساس شرائحي.

كان بالإمكان أن يخوض هؤلاء المترشحين الأربعة حملة متكاملة، وأن يقفوا وقفة مرشح واحد ضد مرشح النظام، وكان ذلك يمكن أن يتم من خلال خطوات عرضتها على المعنيين بالأمر، ولعل من أهمها:

1 ـ تنظيم حفل مشترك جماعي للمترشحين الأربعة لإعلان ترشحهم، وهو الشيئ الذي لم يتم، حتى أن حضور المترشحين لحفل إعلان ترشح كل واحد منهم لم يتحقق، هذا إذا ما استثنينا المرشح سيدي محمد ولد بوبكر الذي لم يتغيب عن أي حفل ترشح.

2 ـ التنسيق خلال الحملة، وتنظيم مهرجان مشترك في العاصمة نواكشوط عند افتتاح الحملة أو عند اختتامها يحضره المترشحون الأربعة. مثل ذلك المهرجان المشترك كان سيبعث برسالة في غاية الإيجابية إلى الجمهور المعارض، وكان سيُظْهِر للشعب الموريتاني مدى جدية المترشحين الأربعة، ومدى استعدادهم للتعاون والتكاتف في وجه مرشح النظام.

3 ـ إيقاف المعارك الإعلامية البينية والتوقيع على وثيقة للدعم المتبادل في الشوط الثاني وهو ما لم يتحقق. غياب تلك الوثيقة كان سيعني بأن التصويت لمرشح المعارضة في حالة حصول شوط ثان لن يكون مؤكدا، هذا إن لم أقل مستحيلا. فمع وجود تلك الوثيقة فإن التصويت لمرشح المعارضة لن يكون مؤكدا، فكيف سيكون الأمر في حالة عدم التوقيع أصلا على تلك الوثيقة.

لم يستطع مرشحو المعارضة أن يعطوا الانطباع خلال الحملة الانتخابية بأن هناك تكاملا وتنسيقا فيما بينهم، وبأنهم متحدون وعلى استعداد كامل لأن يقفوا وقفة مرشح واحد في وجه مرشح النظام.

تذلل المعارضة في مقام يحتاج إلى قوة وصلابة

لقد كنتُ من الذين طالبوا المترشحين الأربعة بأن يبعثوا برسالة مكتوبة إلى السلطة يهددون من خلالها بالانسحاب الفوري من السباق الرئاسي إن لم يتم إعادة تشكيل لجنة الانتخابات وضمان حياد الإدارة وفتح الإعلامي العمومي أمام المعارضة. وفي اعتقادي بأن السلطة كانت ستستجيب لشروط المرشحين الأربعة من أجل انتخابات شفافة إن هم هددوا بشكل جدي بانسحاب جماعي. ولكن، وبدلا من إرسال رسالة قوية في ذلك الاتجاه قرر تحالف المعارضة أن يبعث برسالة "تسول" إلى وزير الداخلية، وقد تضمنت هذه الرسالة بعض العبارات التي أثارت سخرية رواد مواقع التواصل الاجتماعي. المهم أن وزير الداخلية ماطل كثيرا و لم يرد على تلك الرسالة إلا بعد مرور عدة أسابيع من تسلمها.

تصلب المعارضة في مقام يحتاج إلى مرونة

بعد عدة لقاءات لقادة تحالف المعارضة الانتخابي مع وزير الداخلية تم القبول بمنح المعارضة ثلاثة أعضاء في اللجنة المستقلة للانتخابات، وبعثت المعارضة بثلاثة أسماء من مكونة واحدة ومن جنس واحد، وكان من بين الأسماء الإعلامي أحمدو ولد الوديعة المختطف حاليا من طرف الأمن، والذي يجب إطلاق سراحه بشكل فوري.

طالب وزير الداخلية بإضافة اسم سيدة وذلك على اعتبار أن لجنة التسيير يجب أن تضم كل المكونات الوطنية ويجب أن تكون فيها ثلاث سيدات، إنه حق أريد به باطل. والحقيقة أن السبب الحقيقي لرفض مقترح المعارضة هو وجود اسم أحمدو ولد الوديعة، والذي يرى الرئيس محمد ولد عبد العزيز بأن اقتراح اسمه ضمن أعضاء اللجنة هو بمثابة رسالة استفزاز موجهة إليه شخصيا.

بعد مطالبة وزير الداخلية بإضافة اسم سيدة إلى مقترح المعارضة، اتصلتُ بعدد من رؤساء الأحزاب المعنيين بشكل مباشر بالملف، وطلبتُ منهم أن يقترحوا سيدة بدلا من الإعلامي أحمدو ولد الوديعة، خاصة أن ولد الوديعة يلعب أدوارا إعلامية وسياسية مهمة لصالح المعارضة، وسيضطر للتخلي عن تلك الادوار إن تم تعيينه في لجنة التسيير، ثم إن استفزاز الرئيس ولد عبد العزيز في آخر أيامه في الحكم يجب أن لا يكون هو أولوية المعارضة.

رفضت المعارضة ـ بشكل حاسم ـ تغيير مقترحها، وتصلبت في مقام كان يحتاج إلى مرونة، وبذلك ضيعت فرصة التمثيل بثلاثة أعضاء في لجنة الانتخابات، الشيئ الذي حرمها من مراقبة الانتخابات من داخل لجنة تسيير الانتخابات.

المعارضة والهروب إلى نفق مسدود

تم الإعلان عن النتائج، وحصل مرشحو المعارضة على 48% من أصوات الناخبين الموريتانيين، وفاز المرشح المحسوب على النظام والمدعوم من طرف بعض الأحزاب والشخصيات المعارضة في الشوط الأول.

قرر المرشحون المحسوبون على المعارضة والأحزاب الداعمة لهم أن لا يعترفوا بالنتائج، وأن يُشَغلوا من جديد أغنية تزوير الانتخابات والانقلاب على إرادة الشعب، وذلك على الرغم من :

1 ـ رفض المجلس الدستوري الذي يوجد فيه تمثيل للمعارضة الطعون التي تم تقديمها من طرف بعض المرشحين الخاسرين.

2 ـ لم تتقدم المعارضة للرأي العام بأدلة قوية على حدوث عمليات تزوير يمكن القول بأنها أثرت بشكل جوهري على نتائج الانتخابات.

3 ـ لم يتوصل المراقبون الدوليون بخروقات من شأنها أن تؤثر بشكل جوهري على نتائج الانتخابات، ونفس الشيئ حصل مع المراقبين الوطنيين، والذين ليسوا هم بأقرب إلى الموالاة من المعارضة.

4 ـ أشادت دول عديدة بانتخابات 22 يونيو وهنأ العديد من رؤساء العالم المرشح الفائز.

فبأي منطق تقرر المعارضة أن لا تعترف بنتائج 22 يونيو؟

ألا تعلم أحزاب المعارضة بأنها منهكة شعبيا وماديا وحتى نفسيا، وبأنها غير قادرة على تحريك الشارع للتعبير عن رفض نتائج الانتخابات؟

أوَ لا تعلم المعارضة بأن الشعب الموريتاني قد أنهكته عشر سنوات من تأزيم الأوضاع ومن الصراع الصفري بين السلطة والمعارضة؟

أوَ لا تعلم المعارضة بأن المزاج العام للجمهور المعارض هو أكثر ميلا في هذه الفترة للتهدئة ولالتقاط الأنفاس بعد عقد كامل من التأزيم والتوتير المتبادل بين السلطة والمعارضة؟

ألم يكن من الأنسب أن تمنح المعارضة فرصة لمدة عام أو نصف عام للرئيس المنتخب لمعرفة ما إذا كان جادا فيما وعد به من انفتاح وحوار، فإن كان جادا تعاملت معه كرئيس منتخب وكشريك أيضا، وإن لم يكن كذلك فلتعد إلى الشارع وإلى نضال التأزيم والتوتير؟

المعارضة والبحث عن صفقة مقابل الاعتراف بالنتائج

يرى الكثيرون بأن المعارضة على استعداد كامل للاعتراف بالنتائج ولكن مقابل ثمن سياسي، وأنها تنتظر تنصيب الرئيس المنتخب حتى تحاوره وتفاوضه من أجل الحصول على مكاسب سياسية مقابل الاعتراف بشرعيته.

إن مثل هذا القول يطرح عدة إشكالات كبيرة :

1 ـ بأي صفة ستفاوض المعارضة الرئيس المنتخب ما دامت لم تعترف بفوزه ولا برئاسته؟

2 ـ إن الاعتراف بفوز المرشح المنافس هو سلوك وواجب ديمقراطي يجب أن يقدم دون مقابل، وذلك في حالة عدم التوصل إلى أدلة مؤكدة على حدوث تزوير واسع يؤثر على نتائج الانتخابات. أما في حالة التأكد من حصول تزوير واسع أثر بشكل جوهري على النتائج فإنه في هذه الحالة لا يحق للمعارضة ـ ولا لغيرها ـ تشريع رئاسة ناتجة عن انتخابات مزورة.

3 ـ في المقابل فإن الرئيس المنتخب ملزم هو أيضا بالوقف الفور للحصار المفروض على المعارضة، وذلك من خلال توظيف أطرها، ومنح الصفقات لرجال الأعمال المحسوبين عليها، وفتح الإعلام العمومي أمامها. هذه أمور لا تحتاج لتفاوض وحوار بل هي تدخل في صميم واجبات الرئيس المنتخب وعليه تنفيذها دون قيد أو شرط.

4 ـ يبقى القول بأن الحوار مطلوب في كل وقت، ومن المهم جدا تنظيم حوار بين الرئيس المنتخب والمعارضة، ولكن هناك أمور يجب أن تحسم من دون حوار لأنها واجبات وحقوق كل طرف اتجاه الطرف الآخر. إن اعتراف المعارضة بفوز الرئيس المنتخب إن لم تكن لديها أدلة كافية على حصول تزوير واجب ديمقراطي ولا يحتاج إلى حوار. كما أن فك الحصار عن المعارضة واجب على الرئيس المنتخب ولا يحتاج هو أيضا إلى حوار.

ختاما

إذا كانت المعارضة قد خسرت انتخابات 22 يونيو 2019، فإن خسارتها ستتضاعف بسبب تماديها في موقفها الرافض للاعتراف بالنتائج في ظل غياب أي أدلة مقنعة على حدوث تزوير واسع من شأنه أن يؤثر بشكل جوهري على نتائج الانتخابات. ثم إن هذا الموقف السلبي من نتائج الانتخابات سيكون في صالح الأطراف الساعية داخل النظام للانفراد بالرئيس المنتخب وتوتير الأجواء، وربما تتمكن تلك الأطراف من إقناع الرئيس المنتخب بالاستمرار في نهج سلفه في إقصاء المعارضة، وتبرير ذلك الإقصاء بعدم اعترافها به كرئيس منتخب، وهو الشيئ الذي قد يربك المشهد الوطني ويفتحه على كل الاحتمالات بما فيها تلك الاحتمالات الأكثر سوءا وخطورة.

ليس من مصلحة المعارضة أن تتمادى في موقفها الرافض للاعتراف بنتائج الانتخابات، ولا يليق بهذه المعارضة أن تطلب ثمنا سياسيا مقابل اعترافها بالنتائج، فمثل ذلك سيظهرها وكأنها معارضة مصالح، من قبل أن تكون معارضة وطنية تضع مصالح الوطن العليا فوق مصالحها الضيقة والآنية.

حفظ الله موريتانيا..