سيدي محمد ولد بوبكر: خيار الحكمة والخبرة والثقافة الأصيلة / د. أحمدو لكبيد

2019-06-3 الساعة 18:25



لعله من نافلة القول إن القوة المحركة لدولاب التطور في شعوب العالم تكمن في المكون الاقتصادي، وهذه القوة الاقتصادية لا تقررها حجم ثروات البلد، فكم من الدول التي تتمتع بثروات هائلة ومع ذلك يعيش شعبها في فقر مدقع (ولعل بلدنا موريتانيا قد يصلح مع الأسف مثلا لذلك)، كما لا يتحكم فيها الحجم السكاني للبلد، ودليل ذلك وجود دول صغيرة في أوروبا كسويسرا واللوكسومبورغ وفي الخليج العربي ترفل دولها ذات المساحات المحدودة في بحبوحة العيش والرفاهية، بينما هناك دول كبيرة كان حجمها السكاني نقمة بالنسبة إليها، لا شك أن الحجم السكاني والثروات الطبيعية مهمة في دينامية التطور الاقتصادي ولكنها ليست شرطا أوحد sine qua non لامتلاك القوة الاقتصادية.
فالموضوع الاقتصادي أصبح علما له قوانينه وأسسه العلمية، ويحتاج التضلع فيه إلى سنوات عديدة من الدراسة والبحث الأكاديمي الواسع.
وعليه فإن مكانيزمات الإدارة الاقتصادية الرشيدة المعاصرة والتخطيط المعلقن الدقيق لتسيير فضاء واسع من المعطيات والمتغيرات يحتاج إلى من له خلفية أكاديمية - من حيث المبدأ، حتى لا تتحول الممارسة الاقتصادية إلى ممارسة عشوائية ضارة، تجعل البلد يدور في ما يشبه الدوامة العبثية، فالقاعدة المنطقية في ذلك أن فاقد الشيء لا يعطيه، يستوي في ذلك المخطط الاقتصادي والطبيب والمدرس...الخ.
لقد استقبلت بلادنا منذ بداية حكم العسكر 1978مساعدات هائلة وسحبت قروضا ضخمة، ومع ذلك ظلت بلادنا تغوص في وحل الفقر والتخلف، وتتزايد الفوارق الحادة بين الداخل والعاصمة، بل وفي داخل مدينة نواكشوط يعيش السكان: فريق في الجنة وفريق في السعير.
لقد بذلت القيادة الوطنية برآسة السيد محمد بن عبد العزيز جهودا حثيثة متعددة ومتنوعة لتنمية البلد، لكن في الختام كانت النتيجة صادمة، كما عبر عن ذلك مراقب محايد، صندوق النقد الدولي في آخر بيان له حول السياسة الاقتصادية للبلاد، نقرأ فيه معلومات بالغة الدلالة:
"أما سوق العمل فقد تدهورت خلال السنوات الخمس الماضية بسبب التمييز ضد النساء وتهميش الشباب والقطاع الغير المصنف. وقد ارتفع الضغط الخارجي على ميزان المدفوعات بسبب التبادل غير موات وتباطؤ القطاع ألاستخراجي (الحديد والنحاس والذهب والبترول).
زيادة على هذا فقد ارتفع الدين العام هذه السنة (دون احتساب دين الكويت) ووصل إلى 81.9 بالمائة مقارنة مع 75.7 بالمائة بسبب اعتراف الحكومة بديون البنك المركزي.
هناك دراسات شبه رسمية قدرت البطالة سنة 2012 بحوالي 32% كما قدرتها تقديرات لبعض النقابات والمكتب الدولي للشغل بحوالي نسبة 50% من الأيد العاملة النشطة، ومن المعروف أن البنك الدولي يقول: إن نسبة البطالة عند ما تصل في بلد ما إلى 18% فإن ذلك البلد قد دخل في الدائرة السوداء.كما أن حال العمال والموظفين وما هم فيه من هموم اقتصادية جعلتهم يشاطرون العاطلين تقريبا نفس الهموم وهو ما جعل البطالة المقنعة حاضرة بشدة في المشهد .الضغط الضريبي: تصل مساهمة الضرائب في ميزانية 2019 إلى 70% مما يهدد بشلل اقتصادي كبير بسبب الضغط الضريبي المجحف، والذي دمر الطبقة الوسطى وطرد العديد من كبار التجار ورجال الأعمال الذين أخرجوا مئات المليارات من الأوقية من البلد خلال السنوات الأخيرة .
رداءة البنية التحتية: فالطرق الوطنية الرئيسية انتهى عمرها الافتراضي وتآكلت وأصبحت أثرا بعد عين مثل: (طريق الأمل الوطني رقم 3 - طريق روصو نواكشوط أو الوطني رقم واحد - طريق نواكشوط - أكجوجت أطار أو الوطني رقمإن)، هذه المؤشرات الاقتصادية المقلقة في نظر الخبراء تحتم على الحكومة الموريتانية مواجهة الواقع الاقتصادي الصعب الذي تعاني منه البلاد.. كما ارتفعت البطالة بعد تفليس شرائك سونمكس وأنير....!.
يصنف الاقتصاد الموريتاني خلال العشرية الأخيرة ضمن الاقتصادات الضيعفة، بل يأتي في آخر قائمة اقتصاديات الدول العربية، سواء من حيث الناتج المحلي الإجمالي وضعف الموارد الطبيعية، أو المشاكل المتفاقمة.
وتؤكد الدراسات الصادرة عن مجموعة البنك الإفريقي للتنمية والبنك الدولي، أن الاقتصاد الموريتاني يتميز بالتبعية الكاملة للمبادلات التجارية مع الخارج، فهو يستورد عملياً كل المنتجات التي يستهلكها، كما يصدر غالبية إنتاجه الخام من الموارد، على غرار المنتجات المنجمية، مثل الحديد والنحاس والذهب والنفط، إلى جانب الصيد البحري الذي يعد مورداً مهماً من مصادر الدخل القومي".
نقرأ هذا التقرير الكارثي ونحن نستحضر حال الجارة السينغال التي استطاعت عبر الهبات والقروض التي تلقتها بناء بنية تحتية عمرانية وحضرية في منتهى الروعة
لعل سبب هذا الناتج السلبي يرجع إلى غياب منظور بنيوي علمي متكامل يستشرف المستقبل في إقامة المشاريع التي تجهض ولادتها سوء التنفيذ وطفيليات المحسوبية والانتهازية، فتلد ميتة عاجزة عن الاستمرار والصمود، كما هو حال الطرق المعبدة التي افتقدت الصيانة، والمستشفيات ذات المظهر المهيب الخاوية من أبسط المستلزمات، ومشاريع الطاقة الشمسية التي دفنتها الرمال في توجنين. يحتم المنطق أننا حين نبني مصنعا أو نشتري طائرة علينا أن نفكر في توفير قطع الغيار، وحين نشق طريقا علينا أن نخطط لصيانته، وحين نبني مستشفى ينبغي التفكير في توفير مستلزماته بشكل منتظم.
ومع احترامي وتقديري الشديدين للمترشح محمد ولد الشيخ محمد أحمد ولد الشيخ الغزواني وإخلاصه وجديته في مشروعه الانتخابي فإنني أعتقد جازما أنه لا يستطيع أن يقدم أحسن من ما قدمه الرئيس محمد ولد عبد العزيز، وبالتالي فإن الدوران في الحلقة المفرغة يظل واردا جدا.
فاختيار الأهداف للبرنامج الانتخابي ليس عملية مجانية ولا يمكن الركون فيها إلى الثقافة العامة، بل تحتاج إلى خبرة وخلفية علمية دقيقة تضع في معادلات الاختيار الواقع والمعطى، وإلى قراءات فاحصة وعميقة للمؤشرات الاقتصادية المحلية الدولية. ومع احترامي كذلك الشديد لآراء غيري وخياراتهم، ووعي التام بنسبية رأيي الشخصي على قاعدة قول الإمام الشافعي رحمه الله: " رأيي صواب يحتمل الخطأ، ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب" فإنني أرى انطلاقا من السيرة الذاتية للمترشحين أن السيد سيدي محمد ولد بوبكر هو الرهان الأفضل لبلادنا، فخبرته الطويلة تمكنه من رسم أهداف كبرى براغماتية وواقعية وقابلة للتنفيذ، وسنده الأكاديمي يمكنه من تقدير الأمور بشكل علمي وصحيح واعتمادا على نفسه، بدل اللجوء إلى الآخرين، حيث لا ضمانة لنزاهتهم وخبرتهم، كما أن دماثة أخلاقه وثقافته الرفيعة الأصيلة والمعاصرة تمكنه من التمفصل والتفاعل بأريحية مع كل النخب الوطنية، ووضع بصمات وطنية على مشروعه النهضوي.
وعليه أدعو كل النخب المثقفة والحالمين بموريتانيا أفضل إلى الالتفاف حول المرشح سيدي محمد ولد بوبكر، باعتباره أفضل فرصة وأنجع محاولة لقيادة بلادنا بشكل صحيح على درب التقدم والإصلاح، وحتى لا نعود إلى الدوران من جديد في حلقة فارغة مملة وعبثية، مفرداتها الإحباط والألم والانتكاس إلى مزيد من الفقر والتخلف.